تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 959

مساهمون:

ص٩٥٩
يقول المجتمع : « عليك أن تتحملها من أجل الأولاد » ! فالرجل بعد الزواج يريد قيما أخرى غير القيم الحسية التي كانت ناشئة أولا ، لذلك يحذرنا اللّه قائلا :
« وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ »
. وجاء قوله
« حَتَّى يُؤْمِنَّ »
لأن الإسلام يجبّ ما قبله ما دامت قد آمنت فقد انتهت المسألة . وانظروا إلى دقة قوله سبحانه :
« وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ »
أي إنّ الأمة المسلمة خير من حرة مشركة ،
« وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ »
لقد جاء قول الحق هنا بمقاييس الإعجاب الحسى . ليلفتنا إلى أننا لا يصح أن نهمل مقاييس خالدة ونأخذ مقاييس بائدة وزائلة . ثم يقول الحق :
« وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا »
وهذا هو النظير في الخطاب وهو ليس متقابلا فهو لم يخاطب المؤمنات ألا ينكحن المشركين ، إنما قال :
« وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا »
وتلك دقة في الأداء هنا ؛ لأن الرجل له الولاية في أن ينكح ، فيأمره بقوله له : لا تنكح ، لكن المرأة ليس لها ولاية أن تنكح نفسها . فنحن نعرف القاعدة الشرعية التي تقول : « لا نكاح إلا بولي » ، وهو لم يوجه حديثه للنساء ؛ لأن المرأة تتحكم فيها عاطفتها لكن وليها ينظر للأمر من مجموعة زوايا أخرى تحكم الموقف . صحيح أننا نستأذن الفتاة البكر كي نضمن أن عاطفتها ليست مصدودة عن هذا الزواج ، لكن الأب أو ولى الأمر الرجل يقيس المسائل بمقاييس أخرى ، فلو تركنا للفتاة مقياسها لتهدم الزواج بمجرد هدوء العاطفة ، وساعة تأتى المقاييس العقلية الأخرى فلن تجد ذلك الزواج مناسبا لها فتفشل الحياة الزوجية . لذلك يطالبنا الإسلام أن نستشير المرأة ، كي لا نأتيها بواحد تكرهه ، ولكن الذي يزوجها إلى ذلك الرجل هو وليها ؛ لأن له المقاييس العقلية والاجتماعية والخلقية التي قد لا تنظر إليها الفتاة ؛ فقد يبهرها في الشاب قوامه وحسن شكله وجاذبية حديثه ، لكن عندما تدخل المسألة في حركة الحياة ودوامتها قد تجده إنسانا غير جدير بها . ولكي تكون المسألة مزيجا من عاطفة بنت ، وعقل أب ، وخبرة أم ، كان لا بد من
تفسير الشعراوي — صفحة 959 | محمد متولي الشعراوي