تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 961

مساهمون:

ص٩٦١
في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل اللّه ذكرك في كتابه ، فأعتقها حذيفة وتزوجها . ويتابع الحق فيقول :
« وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ »
. إن المقاييس واحدة في اختيار شريك الحياة ، إنها الرغبة في بناء الحياة الأسرية على أساس من الخير ، وغاية كل شئ هي التي تحدد قيمته ، وليست الوسيلة هي التي تحدد قيمة الشئ ، فقد تسير في سبيل وطريق خطر وغايته فيها خير ، وقد تسير في سبيل مفروش بالورود والرياحين وغايته شر ، ولذلك يقول الحق :
« أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. والذين يدعون إلى النار هم أهل الشرك . أما اللّه فهو يدعو إلى الجنة ، والمغفرة تأتى بإذن اللّه أي بتيسير اللّه وتوفيقه . ونعرف جميعا الحكمة التي قالها الإمام « على » كرم اللّه وجهه : لا خير في خير بعده النار ، ولا شر في شر بعده الجنة . وقوله الحق ؛
« لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
ترد كثيرا ، هذا التذكر ماذا يفعل ؟ إن التذكر يشعرك بأن القضية كانت معلومة والغفلة هي التي طرأت ، لكن الغفلة إذا تنبهت إليها ، فهي تذكرك ما كنت قد نسيته من قبل ، لكن إن طالت الغفلة ، ونسي الأصل فهذه هي الطامة ، التي تنطمس بها المسألة . إذن فالتذكر يشمل مراحل : المرحلة الأولى : أن تعرف إن لم تكن تعرف ، أو تعلم إن كنت تجهل ، والمرحلة الثانية : هي أن تتذكر إن كنت ناسيا ، أو توائم بين ما تعلم وبين ما تعمل ؛ فالتذكر يوحى لك بأن توائم ما بين معرفتك وسلوكك حتى لا تقع في الجهل ، والجهل معناه أن تعلم ما يناقض الحقيقة . لقد أراد اللّه أن يصون الإنسان الذي اختار الإيمان عندما حرم عليه الزواج بواحدة من أهل الشرك . إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يضمن لمن جعله خليفة في الأرض عقيدة واحدة يصدر عنها السلوك الإنسانى ؛ لأن العقائد إن توزعت حسب الأهواء فسيتوزع السلوك حسب الأهواء . وحين يتوزع السلوك تتعاند حركة الحياة ولا تتساند .