ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
( 44 )
( سورة الأنعام )
أي لم نعجل بعقابهم بل تركناهم فتمادوا في المعصية حتى إذا فرحوا بما أوتوا من النعمة والثروة وكثرة العدد ،
« أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ »
أي يائسون من رحمة اللّه أو نادمون متحسرون ، ولا ينفعهم الندم حينئذ . فقد فاتت الفرصة وصيّعوها على أنفسهم .
إن الحق ينزل هذا الأمر كعقاب وبه تكون النقلة صعبة ، إنهم يتمادون فيعاقبهم الحق عقابا صاعقا ، كالذي يرفع كائنا في الفضاء ثم يتركه ليهوى على الأرض ، والعفو هنا يمكن أن يكون بمعنى أنهم ازدادوا في الطغيان . وهناك معنى آخر للعفو ، فقد يأتي بمعنى الترك :
فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ
( من الآية 178 سورة البقرة )
أي فمن ترك له أخوه شيئا فليأخذه . إذن فالعفو تارة يكون بمعنى الزيادة ، وتارة أخرى يكون بمعنى الترك ، والحق هنا يقول :
« وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ »
أي أن الإنفاق إنما يكون من الزائد عن الحاجة ، فيكون معنى العفو هنا هو الزائد أو المتروك ، وهكذا نرى أن العفو واحد في كلا الأمرين ، فلا تظن أن المعاني تتضارب ؛ لأن بها يتحقق المعنى المقصود في النهاية . فالعفو هو الزيادة ، والعفو أيضا يؤخذ بمعنى الصفح .
إذن فالإنفاق من الزائد عن الحاجة يحقق الصفح ويحقق الرفاهية في المجتمع .
فالذي يزرع أرضا وينتج ما يكفيه هو وعياله ويزيد ، فهل يترك ما يزيد عن حاجته ليفسد أم ينفق منه على قريبه أو جاره المحتاج ؟ أيهما أقرب إلى العقل والمنطق ؟ وكان ذلك قبل أن يشرع الحق الزكاة بنظامها المعروف . وما سر تبديلها من عفو إلى زكاة ؟