تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 942

مساهمون:

ص٩٤٢
ومن العجيب أن يقر كل من الطرفين صاحبه على فعله ، يأخذ ماله ويبقى على صداقته ، والعجب الأكبر هو التدليس والسرقة بين الذين يتعودون على لعب الميسر . ولو لاحظت حياة هؤلاء الذين يلعبون الميسر تجدهم ينفقون ويبذرون بلا احتياط ولا ينتفعون أبدا بما يصل أيديهم من مال مهما كان كثيرا ، لماذا ؟ لأن المال حين يكتسب بيسر ، يصرف منه بلا احتياط ، هذا هو حال من يكسب ، أما بالنسبة للخاسر فتجده يعيش في الحسرة والألم على ما فقد ، وتجده في فقر دائم ، وربما اضطر إلى التضحية بعرضه وشرفه ، إن لم يبع ملابسه ، وأعز ما يملك ، ويحدث كل ذلك بأمان زائفة ، وآمال كاذبة يزينها الشيطان للطرفين ؛ الذي كسب والذي خسر ، فالذي كسب يتمنى زيادة ما معه من مال أكثر وأكثر ، والذي خسر يأمل أن يسترد ما خسره ويكسب . وعندما يتعود الإنسان أن يكسب بدون حركة فكل شئ يهون عليه ، ويعتاد أن يعيش على الكسب السهل الرخيص ، وحين لا يجد من يستغفله ليلعب معه ربما سرق أو اختلس . وهذا هو حال الذين يلعبون الميسر ؛ إنهم أصحاب الرذائل في المجتمع ، فهم الذين يرتشون ويسرقون ويعربدون ، ولا أخلاق عندهم وليس لهم صاحب ولا صديق ، وبيوتهم منهارة ، وأسرهم مفككة ، وعليهم اللعنة حتى في هيئتهم وهندامهم . ولذلك قال الحق :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
وما دام الإثم أكبر من النفع ، فقد رجح جانب الإثم . هذا في العملية الذاتية ، أما في العملية الزمنية فقد قال سبحانه :
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى
( من الآية 43 سورة النساء ) وبعد ذلك أنهى - سبحانه - المسألة تماما بقوله الحق :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ