الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 90 )
( سورة المائدة )
ثم تمضى الآية إلى سؤال آخر هو
« وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ »
إنه السؤال نفسه من عمرو بن الجموح وكان الجواب عليه من قبل هو
« قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ »
وهنا جواب بشكل وصورة أخرى
« قُلِ الْعَفْوَ »
والعفو معناه الزيادة وفي ذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى - :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ( 94 ) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
( 95 )
( سورة الأعراف )
إن اللّه - جلت قدرته - يحذر وينذر لعل الناس تتذكر وتعتبر ، إنه - سبحانه - لم يرسل نبيّا إلى قوم فقابلوه بالتكذيب والنكران إلّا أخذهم وابتلاهم بالفقر والبؤس والمرض والضر لعلّهم يتوبون إلى ربهم ويتذلّلون له - سبحانه - ليرفع عنهم ما ابتلاهم به ، ثم لما لم يرجعوا ويقلعوا عما هم فيه من الكفر والعناد اختبرهم وامتحنهم بالنعم ؛ بالخصب والثراء والعافية والرخاء حتى كثروا وزادت أموالهم وخيراتهم ، وقالوا - وهم في ظل تلك النعم - : إن ما يصيبنا من سراء وضراء وخير وشر إنما هو سنة الكون ، وعادة الدهر ، فأسلافنا وآباؤنا كان يعتريهم مثل ما يصيبنا ، ولما أصروا على كفرهم باغتهم اللّه بالعذاب ، وأنزل بهم العقاب المفاجئ . قلبهم اللّه بين الشدة والرخاء ، وعالجهم بالضر واليسر ، حتى لا تكون لهم حجة على اللّه ، ولما ظهرت خسة طبعهم وأقاموا على باطلهم أخذهم اللّه أخذ عزيز مقتدر . ولنتأمل قوله تعالى في ذلك :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ