التدرج في الحكم أمرا مطلوبا لأنه سبحانه يعالج أمرا بإلف العادة ، فيمهد سبحانه ليخرجه عن العادة . والعادة شئ يقود إلى الاعتياد ؛ بحيث إذا مر وقت ولم يأت ما تعوّدت عليه نفسيتك ودمك يحدث لك اضطراب . وما دامت المسألة تقود إلى الاعتياد ، فالأفضل أن تسد الباب من أوله وتمنع الاعتياد .
لقد كانت بداية الحكم في أمر الخمر أن أحدا من المسلمين شرب الخمر قبل أن تحرم نهائيا ، وجاء ليصلى ، فقال :
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ »
وبعدها نزل تأديب الحق بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
( من الآية 43 سورة النساء )
وفي ذلك تدريب لمن اعتاد على الخمر ألا يقربها ؛ فالإنسان الذي يصلى صدر عليه الحكم ألا يقرب الصلاة وهو سكران ، فمتى يمتنع إذن ؟ إنه بصحو من نومه فلا يقرب الخمر حتى يصلى الصبح ، ويقترب الظهر فيستعد للصلاة ، ثم العصر بعد ذلك ، ويليه المغرب فالعشاء ، أي لن يصبح عنده وقت ليشرب في الأوقات التي ينتظر فيها الصلاة ، إذن فلا تصبح عنده فرصة إلا في آخر الليل . فإذا ما جاء الليل يشرب له كأسا ثم يغط في نومه . ويكون الوقت الذي امتنع فيه عن الخمر أطول من الوقت الذي يتعاطى فيه الخمر .
ولما بدأ تعودهم على الخمر يتزعزع ، حدثت بعض الخلافات والمشكلات التي دفعتهم لأن يطلبوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يوضح لهم حكما فاصلا في الخمر فنزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ