تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
تجد السبيل للخروج منها ، فإذا كان الأمر ليس في استطاعتك فمن الحمق أن تفكر فيه ؛ لأن اللّه يريد منك أن تريح عقلك في مثل هذه الأمور ، وإن كان الأمر له حل وفي استطاعتك حله ، فأنت تحتاج للعقل بكامل قوته . والحق سبحانه وتعالى يرشدنا في هذه القضية بحكمة الحكيم ، ويعطينا عطاء لنحكم نحن في الأمر قبل أن يطلب منا . إنه - سبحانه - يمتن علينا ويقول :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
( من الآية 67 سورة النحل ) فعندما ذكر اللّه « سكرا » مر عليها بلا تعليق . وعندما قال : « رزقا » وصفه بأنه « حسنا » . فكان يجب أن نتنبه إلى أن اللّه يمهد لموقف الإسلام من الخمر ؛ فهو لم يصف « السكر » بأي وصف ، وجعل للرزق وصفا هو الحسن ؛ فالناس عندما يستخرجون من هذه الثمرات سكرا ، فهم قد أخرجوها عن الرزق الحسن ، لأن هناك فرقا بين أن تأخذ من العنب غذاء وبين أن تخمره فتفسده وتجعله ساترا للعقل . وبعد ذلك فهناك فرق بين تشريع ونصح . فعندما تنصح شخصا فأنت تقول له : سأدلك على طريق الخير وأنت حر في أن تسير فيه أو لا تسير . وعندما تشرع وتضع الحكم ، فأنت تأمر هذا الشخص أو ذاك بأن يفعل الأمر ولا شئ سواه . والحق سبحانه وتعالى عندما قال :
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ »
، ذكر لنا المفاسد وترك لنا الحكم عليها ، قال سبحانه مبلغّا رسوله :
« قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ »
ولو لم يقل
« وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ »
لاستغرب الناس وقالوا : نحن نأخذ من الخمر منافع ، ونكتسب منها ، وننسى بها همومنا ، كانت هذه هي المنافع بالنسبة لهم ، لكن الحق يوضح أن إثمهما أكبر من نفعهما ، أي أن العائد من وراء تعاطيهما أقل من الضرر الحادث منهما ، وهذا تقييم عادل ، فلم تكن المسألة قد دخلت في نطاق التحريم ، لأنها ما زالت في منطقة النصح والإرشاد . وقوله تعالى :
« وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما »
يجعل فيهما نوعا من الذنب ، لقد كان
تفسير الشعراوي — صفحة 939 | محمد متولي الشعراوي