والخمر - كما نعرف - مأخوذة من الستر ، ويقال : « دخل فلان في خمرة » أي في أيكة من الأشجار ملتفة فاختبأ فيها . و « الخمار » هو القناع الذي ترتديه المسلمة لستر رأسها ، وهو مأخوذ أيضا من نفس المادة . و « خامره الأمر » أي خالطه . وكل هذه المعاني مأخوذة من عملية الستر . و « الميسر » مأخوذ من اليسر ؛ لأنه يظهر للناس بمكاسب يسيرة بلا تعب .
الخمر والميسر من الأمور التي كانت معروفة في الجاهلية . والإسلام حين جاء ليواجه نظما جاهلية واجه العقيدة بلا هوادة ، ولم يجابهها ويواجهها على مراحل بل أزالها من أول الأمر ، ورفع راية « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » ، ثم جاء الإسلام في الأمور التي تعتبر من العادات فبدأ يهونها ؛ لأن الناس كانت تألفها ، لذلك أخذها بشئ من الرفق والهوادة . وكان هذا من حكمة الشرع ، فلم يجعل الأحكام في أول الأمر عملية قسرية فقد يترتب عليها الخلل في المجتمع وفي الوجود كله ، وإنما أخذ الأمور بالهوادة .
وإذا كانت الخمرة مأخوذة من الستر ، فماذا تستر ؟ إنها تستر العقل بدليل أن من يتعاطاها يغيب عن وعيه . ولا يريد اللّه سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه اللّه بالعقل أن يأتي للشئ الذي كرمه به ويسيّر به أمور الخلافة في الأرض ويستره ويغيّبه ، لأن من يفعل ذلك فكأنه رد على اللّه النعمة التي أكرمه بها ، وهذا هو الحمق .
ثم إن كل الذين يتعاطون الخمر يبررون فعلهم بأنهم يريدون أن ينسوا هموم الدنيا ، ونسأل هؤلاء : وهل نسيان الهموم يمنع مصادرها ؟ لا ، ولذلك فالإسلام يطلب منك أن تعيش همومك لتواجهها بجماع عقلك ، فإذا كانت هناك هموم ومشكلات فالإسلام لا يريد منك أن تنساها ، لا ، بل لا بد أن توظف عقلك في مواجهتها ، وما دام المطلوب منك أن تواجه المشكلات بعقلك فلا تأتى لمركز إدارة الأمور الحياتية وهو العقل ، والذي يعينك على مواجهة المشكلات وتقهره بتغييبه عن العمل .
وهل النسيان يمنع المصائب ؟ إن الذي يمنع المصائب هو أن تحاول بجماع فكرك أن
تفسير الشعراوي — صفحة 938
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٣٨