تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 928

مساهمون:

ص٩٢٨
والسؤال هنا ليس عن الشهر الحرام ؛ لأنه كان معروفا عندهم من أيام الجاهلية ، ولكن السؤال عن القتال في الشهر الحرام ، فما جدوى السؤال إذن ؟ إنه سؤال استفزازى ، والمسألة لها قصة . ونعرف أن للسنة اثنى عشر شهرا ، وقد جعل اللّه فيها أربعة أشهر حرم : شهر واحد فرد وهو رجب ، وثلاثة سرد ، وهي ذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم . ومعنى أشهر حرم أي أن القتال محرم فيها . لقد علم اللّه كبرياء الخلق على الخلق ، لذلك جعل اللّه لخلقه ساترا يحمى كبرياءهم ، ومن هذه السنن التي سنها اللّه هي حرمة القتال في الأشهر الحرم ، والأماكن الحرم ، فيجوز أن الحرب تضر المحارب ، لكن كبرياءه أمام عدوه يمنعه من وقف القتال ، فيستمر في الحرب مهما كان الثمن ، فيأتي الحق سبحانه وتعالى ويقول للمتحاربين : ارفعوا أيديكم في هذه الشهور لأنى حرمت فيها القتال . وربما كان المحاربون أنفسهم يتمنون من أعماقهم أن يتدخل أحد ليوقف الحرب ، ولكن كبرياءهم يمنعهم من التراجع ، وعندما يتدخل حكم السماء سيجد كل من الطرفين حجة ليتراجع مع حفاظه على ماء الوجه . وكذلك جعل اللّه أماكن محرمة ، يحرم فيها القتال حتى يقول الناس إن اللّه هو الذي حرمها ، وتكون لهم ستارا يحمى كبرياءهم . إذن فالحق سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان أراد أن يصون الإنسان حتى يحقن الدماء ، فإذا ظل الناس ثلاثة أشهر بلا حرب ، ثم شهرا آخر ، فنعموا في هذه الفترة بالسلام والراحة والهدوء ، فربما يألفون السّلام ، ولا يفكرون في الحرب مرة أخرى ، لكن لو استمرت الحرب بلا توقف لظل سعار الحرب في نفوسهم ، وهذه هي ميزة الأشهر الحرم . والأشهر الحرم حرم في الزمان والمكان ؛ لأن الزمان والمكان هما ظرف الأحداث ، فكل حدث يحتاج زمانا ومكانا . وعندما يحرم الزمان ويحرم المكان فكل من طرفي القتال يأخذ فرصة للهدوء . إن الحق سبحانه وتعالى يعرض هنا قضية أراد بها خصوم الإسلام من كفار قريش