إذن فاللّه حين يقول : « كتب » فمعنى ذلك أنه سبحانه يقصد أنه لم يقتحم على أحد حركة اختياره الموهوبة له ، واللّه سبحانه وتعالى قد ترك للناس حرية الاختيار في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا . ومن آمن عن اختيار وطواعية فقد دخل مع اللّه في عقد إيمان ، وبمقتضى هذا العقد كتب اللّه عليه التكاليف . ومن هذه التكاليف القتال ، فقال سبحانه :
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ »
.
وقوله : « عليكم » يعنى أن القتال ساعة يكتب لا يبدو من ظاهر أمره إلا المشقة ، فجاءت « عليكم » لتناسب الأمر . وبعد انتهاء القتال إذا انتصرنا فنحن نأخذ الغنائم ، وإذا انهزمنا واستشهدنا فلنا الجنة .
ويعبر الحق عن ظاهر الأمر في القتال فيقول عنه :
« وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ »
. إنها قضية عامة كما قلنا . لذلك فعلينا أن نرد الأمر إلى من يعلمه ،
« وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
فكل أمر علينا أن نرده إلى حكمة اللّه الذي أجراه ؛ لأنه هو الذي يعلم .
وهناك قصة من التراث الإنسانى تحكى قضية رجل من الصين ، وكان الرجل يملك مكانا متسعا وفيه خيل كثيرة ، وكان من ضمن الخيل حصان يحبه . وحدث أن هام ذلك الحصان في المراعى ولم يعد ، فحزن عليه ، فجاء الناس ليعزوه في فقد الحصان ، فابتسم وقال لهم : ومن أدراكم أن ذلك شر لتعزونى فيه ؟
وبعد مدة فوجئ الرجل بالجواد ومعه قطيع من الجياد يجره خلفه ، فلما رأى الناس ذلك جاءوا ليهنئوه ، فقال لهم : وما أدراكم أن ذلك خير ، فسكت الناس عن التهنئة . وبعد ذلك جاء ابنه ليركب الجواد فانطلق به ، وسقط الولد من فوق الحصان فانكسرت ساقه ، فجاء الناس مرة أخرى ليواسوا الرجل فقال لهم : ومن أدراكم أن ذلك شر ؟
وبعد ذلك قامت حرب فجمعت الحكومة كل شباب البلدة ليقاتلوا العدو ، وتركوا هذا الابن ؛ لأن ساقه مكسورة ، فجاءوا يهنئونه ، فقال لهم : ومن أدراكم