الحي ، وكأن والدهم كان محبسا على رزقهم ، فحينما انتهى الأب فتح اللّه على الأبناء صنابير الرزق ، وذلك حتى لا يفتن إنسان في سبب .
وبعد الإنفاق على اليتامى نجد الإنفاق يكون على المساكين وابن السبيل ، وقد عرفنا أن المسكين هو المحتاج وابن السبيل هو المنقطع عن أهله وماله . ويختم الحق هذه الآية بقوله :
« وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ »
. إن اللّه يريد أن يرد الطبع البشرى إلى قضية هي : إياك أن تطلب جزاء الخير الذي تفعله مع هؤلاء من أحد من الخلق ، ولكن اطلبه من اللّه ، وإياك أن تحاول أن يعلم الناس عنك أنك منفق على الأقارب واليتامى وابن السبيل ؛ لأن الذين تريدهم أن يعلموا لا يقدرون لك على جزاء ، وعلمهم لن يزيدك شيئا ، وحسبك أن يعلم اللّه الذي أعطاك ، والذي أعطيت مما استخلفك فيه ابتغاء مرضاته . فحين ينفق الناس لمرضاة الناس ، يلقون من بعد ذلك النكران والجحود فيكون من أعطى قد خسر ما أنفق ، واستبقى الشر ممن أنفقه عليهم .
ولو أن الإنسان المسلم قصد بالإنفاق وعمل الخير مرضاة الخالق الأعلى عز وجل لاستبقى ما أنفق من حسنات وثواب ليوم القيامة ، ولسخر اللّه له قلوب من تصدق عليهم بالمحبة والوفاء بالمعروف ، وهذه عدالة من اللّه تتجلى في أنه يفعل مع المرائين ذلك ؛ لأنهم يعطون وفي بالهم أنهم أعطوا له ، ولو أعطوا اللّه لما أنكر الآخذ جميل العطاء . أنت أعطيته لمرضاته هو ، فكأن اللّه يقول لك : سأتركك له ليجازيك ولهذا كان المتصدق في السر من السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله فمنهم :
« . . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » « 1 » وهذا هو الأفضل في صدقة التطوع ، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل ، وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فالفريضة تكون إعلانها أفضل ، والنافلة يكون إسرارها أفضل .
لكن لو عملت وفي بالك اللّه فستجد أثر العطاء في وفاء من أخذ . فإياكم أن
هامش
( 1 ) رواه مسلم عن أبي هريرة .