يقول الحق :
« يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ »
هذا هو السؤال ، والجواب « قل ما أنفقتكم من خير فللوالدين » . إن الظاهر السطحي يظن أن السؤال هو فقط عن ماذا ينفقون ؟ وأن الجواب جاء عن المنفق عليه . نقول : لا ، لماذا نسيت قوله الحق : إن الإنفاق يجب أن يكون من « خير » فالمال المنفق منه لا بد أن يتصف بأنه جاء من مصدر خير .
وبعد ذلك زاد وبيّن أنه : مادمتم تعتقدون أن الإنفاق واجب فعليكم أن تعلموا ما هو الشئ الذي تنفقونه ، ومن الذي يستحق أن ينفق عليه .
« قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ »
. والخير هو الشئ الحسن النافع . والمنفق عليه هو دوائر الذي ينفق ؛ لأن اللّه يريد أن يحمّل المؤمن دوائره الخاصة ، حتى تلتحم الدوائر مع بعضها فيكون قد حمّل المجتمع على كل المجتمع ، لأنه سبحانه حين يحمّلنى أسرتي ووالدي والأقربين ، فهذه صيانة للأهل ، وكل واحد منا له والدان وأقربون ، ودائرتى أنا تشمل والدىّ وأقاربى ، ثم تشيع في أمر آخر ؛ في اليتامى والمساكين .
وهات كل واحد واحسب دوائره من الوالدين والأقربين وما يكون حوله من اليتامى والمساكين فستجد الدوائر المتماسكة قد شملت كل المحتاجين ، ويكون المجتمع قد حمل بعضه بعضا ، ولا يوجد بعد ذلك إلا العاجز عن العمل . وعرفنا أن السائل هو « عمرو بن الجموح » ، وكانت له قصة عجيبة ؛ كان أعرج ، والأعرج معذور من اللّه في الجهاد ، فليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج .
وأراد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرج في غزوة فجاءه عمرو بن الجموح وقال : يا رسول اللّه لا تحرمني من الجهاد فإن أبنائى يحرموننى من الخروج لعرجتى .
قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه قد عذرك فيمن عذر . قال : ولكني يا رسول اللّه أحب أن أطأ بعرجتى الجنة .
هذا هو من سأل عن ماذا ينفقون ، فجاءت الإجابة من الحق :
« قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ »
أي ما أخرجتم من مال ؛ لأن الإنفاق يعنى الإخراج ، والخير هنا هو