تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 919

مساهمون:

ص٩١٩
المال ، والإنفاق يقتضى إخراج المال عن ملكية الإنسان ببيع أو هبة أو صلة ، وأصل كلمة « الإنفاق » مأخوذ من « نفقت السوق » أي راجت ؛ لأن السوق تقوم على البضاعة ، وحين تأتى إلى السوق ولا تجد سلعا فذلك يعنى أن السوق رائجة ، ولكن عندما تجد البضائع مكدسة بالسوق فذلك يعنى أن السوق لا زالت قائمة . إذن فمعنى « نفقت السوق » أي ذهبت كل البضائع كما تذهب الحياة من الدابة ، فعندما نقول : نفقت الدابة ، أي ماتت . وأوجه الإنفاق بيّنها - سبحانه - في قوله :
« فَلِلْوالِدَيْنِ ، وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ »
. فهل كل يتيم محتاج ؟ ربما يكون اليتيم قد ورث المال لكن علينا أن نفهم أنّ المسألة ليست هي سد حاجة محتاج فقط ، ولكنها الوقوف بجانب ضعيف في أي زاوية من زوايا الضعف ؛ لأن الطفل عندما يكون يتيما ولديه مال ، ثم يراك تعطف عليه فهو يشعر أن أباه لم يمت ؛ لأن أبوته باقية في إخوانه المؤمنين ، وبعد ذلك لا يشب على الحسد لأولاد آباؤهم موجودون ، لكن حين يرى اليتيم كل أب مشغولا بأبنائه عن أيتام مات أبوهم ، هنا يظهر فيه الحقد ، وتتربى فيه غريزة الاعتراض على القدر ، فيقول « لماذا أكون أنا الذي مات والدي ؟ » ، ولكن حين يرى الناس جميعا آباءه ، ويصلونه بالبسمة والود والترحاب والمعونة فلسوف يشعر أن من له أب واحد يتركه الناس اعتمادا على وجود أبيه ، لكن حينما يموت أبوه فإن الناس تلتفت إليه بالمودة والمحبة ، ويترتب على ذلك أن تشيع المحبة في المجتمع الإسلامي والألفة والرضا بقدر اللّه ، ولا يعترض أحد على وفاة أبيه ، فإن كان القدر قد أخذ أباه فقد ترك له آباء متعددين . ولو علم الذين يرفضون المودة والعطف على اليتيم لأن والده ترك له ما يكفيه ، لو علموا ما يترتب على هذا التعاطف من نفع معنوي لتنافسوا على التعاطف معه ؛ فليست المسألة مسألة حاجة مادية ، وإنما هي حاجة معنوية . وأنا أقول دائما : يجب أن نربى في الناشئة أن اللّه لا يأخذ أحدا من خلقه وفي الأرض حاجة إليه ؛ وارقبوا هذا الأمر فيمن حولكم تجدوا واحدا وقد توفى وترك أولادا صغارا فيحزن أهله ومعارفه ؛ لأنه ترك أولاده صغارا ، وينسون الأمر من بعد ذلك ، وتمر فترة من الزمن ويفاجأ الناس بأن أولاد ذلك الرجل قد صاروا سادة