تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 922

مساهمون:

ص٩٢٢
خذوا القضايا من خلال علمي أنا ؛ لأننى قد أشرع مكروها ، ولكن يأتي منه الخير . وقد ترون حبا في شئ ويأتي منه الشر . ولذلك ينبهنا الحق إلى أن كثيرا من الأمور المحبوبة عندنا يأتي منها الشر ، فيقول الواحد منا : « كنت أتوقع الخير من هذا الأمر ، لكن الشر هو ما جاءني منه » . وهناك أمور أخرى نظن أن الشر يأتي منها ، لكنها تأتى بالخير . ولذلك يترك الحق فلتات في المجتمع حتى يتأكد الناس أن اللّه سبحانه وتعالى لا يجرى أمور الخير على مقتضيات ومقاييس علم العباد ، إنما يجرى الحكم على مقتضى ومقاييس وعلم رب العباد . ولننظر إلى ما رواه الحق مثلا للناس على ذلك :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 61 ) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً
( 64 ) ( سورة الكهف ) إن موسى عليه السّلام يسير مع فتاه إلى مجمع البحرين ، ويقال : إنه ملتقى بحرين في جهة المشرق ، وكان معهما طعام هو حوت مملوح يأكلان منه ، لكن السفر والمشقة أنساهما الحوت وانطلق الحوت بآية من آيات اللّه إلى البحر ، وعندما وصل موسى إلى مجمع البحرين طلب من فتاه أن يأتي بالطعام بعد طول التعب ، لكن الفتى يقول لموسى : إنه نسي الحوت ، ولم ينسه إياه إلا الشيطان . وإن الحوت اتخذ طريقه إلى البحر ، فقال موسى : إن هذا ما كنا نطلبه علامة على وصولنا إلى غايتنا وهي مجمع البحرين ، أي أمر الحوت وفقده هو الذي نطلب ، فإن الرجل الذي جئنا من أجله هناك في هذا المكان ، وارتد موسى والغلام على آثارهما مرة أخرى .