تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 915

مساهمون:

ص٩١٥
الدنيا فلا بد أن يكون ابتلاؤكم على قدر عظمة مسئوليتكم ومهمتكم .
« وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا »
إن قول اللّه : « ولما » يفيد بأن ما حدث للذين من قبلهم من ابتلاء عليهم سيقع على المؤمنين مثله . وعندما نتأمل قوله الحق :
« وَزُلْزِلُوا »
فأنت تكتشف خاصية فريدة في اللغة العربية ، هذه الخاصية هي تعبير الصوت عن واقعية الحركة ، فكلمة « زلزلوا » أصلها زلزلة ، وهذه الكلمة لها مقطعان هما « زل ، زل » . و « زل » : أي سقط عن مكانه ، أو وقع من مكانه ، والثانية لها المعنى نفسه أيضا ، أي وقع من مكانه ، فالكلمة تعطينا معنى الوقوع المتكرر : وقوع أول ، ووقوع ثان ، والوقوع الثاني ليس امتدادا للوقوع الأول ؛ ولكنه في اتجاه معاكس ، فلو كانت في اتجاه واحد لجاءت رتيبة ، إن الزلة الثانية تأتى عكس الزلة الأولى في الاتجاه ، فكأنها سقوط جهة اليمين مرة ، وجهة الشمال مرة أخرى . ومثل ذلك « الخلخلة » أي حركة في اتجاهين معاكسين « خلّ » الأولى جهة اليمين ، و « خلّ » الثانية جهة اليسار ، وبهذا تستمر الخلخلة . وهكذا « الزلزلة » تحمل داخلها تغير الاتجاه الذي يسمى في الحركة بالقصور الذاتي . والمثال على ذلك هو ما يحدث للإنسان عندما يكون راكبا سيارة ، وبعد ذلك يأتي قائد السيارة فيعوقها بالكابح « الفرامل » بقوة ، عندئذ يندفع الراكب للأمام مرة ، ثم للخلف مرة أخرى ، وربما تكسر زجاج السيارة الأمامى حسب قوة الاندفاع ؛ ما الذي تسبب في هذا الاندفاع ؟ إن السبب هو أن جسم الراكب كان مهيأ لأن يسير للأمام ؛ والسائق أوقف السيارة والراكب لا زال مهيأ للسير للأمام ، فهو يرتج ، وقد يصطدم بأجزاء السيارة الداخلية عند وقوفها فجأة . وعملية « الزلزلة » مثل ذلك تماما ؛ ففيها يصاب الشئ بالارتجاج للأمام والخلف ، أو لليمين واليسار ، وفي أي جهتين متعاكستين . و « زلزلوا » يعنى أصابتهم الفاجعة الكبرى ، الملهية ، المتكررة ، وهي لا تتكرر