على أنه سيد ذلك الكون ، ومعنى ذلك أن كل الأجناس تخدمه . وقد عرفنا أن الجماد يخدم النبات ، والجماد والنبات يخدمان الحيوان ، والجماد والنبات والحيوان تخدم الإنسان ، فالإنسان سيد هذه الأجناس .
وكان مقتضى العقل أن يبحث هذا السيد عن جنس أعلى منه ، فكما كانت الأجناس التي دونه في خدمته ، فلا بد أن يكون هذا الجنس الأعلى يناسب سيادته ، ولن يجد شيئا في الوجود أبدا أعلى من الجنس الذي ينتسب إليه ، لذلك كان المفروض أن يقول الإنسان : أنا أريد جنسا ينبهنى عن نفسي ؛ فأنا في أشد الاحتياج إليه . فإذا جاء الرسل وقالوا : إن الذي أعلى منك أيها الإنسان هو اللّه وليس كمثله شئ وتعالى عن كل الأجناس . كان يجب على الإنسان أن يقول : مرحبا ؛ لأن معرفة اللّه تحل له اللغز . والرسل إنما جاءوا ليحلوا للإنسان لغزا يبحث عنه ، وكان على الإنسان أن يفرح بمجىء الرسل ، وخصوصا أن اللّه عز وجل لا يريد خدمة منه ، إن الإنسان هو الذي يحتاج لعبادة اللّه ليسخر له الكائنات ، ويعبده ليعزه .
إذن فالمؤمن بين أمرين : بين خادم له مسخر وهو من دونه من الجماد والنبات والحيوان ، ومعط متفضل عليه مختار وهو أعلى منه . إنه هو اللّه .
فمن يأخذ واحدة ويترك واحدة فقد أخذ الأدنى وترك الأعلى ، فيقول له الحق :
خذ الأعلى . فإذا كنت سعيدا بعطاء المخلوقات الأدنى منك ، وتحب أن تستزيد منها فكيف لا تستزيد ممن هو أعلى منك ؟ . إنه اللّه .
والحق عندما يقول :
« زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا »
فهو يريد أن يلفتنا إلى أن مقاييس الكافرين مقاييس هابطة نازلة ؛ لأن الذي زين لهم هو الأمر الأدنى . ومن خيبة التقدير أن يأخذ الإنسان الأمر الأدنى ويفضله على الأعلى . وكلمة « زيّن » عندما تأتى في القرآن تكون مبنية لما لم يسم فاعله مثل قوله تعالى :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
( من الآية 14 سورة آل عمران )