تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 895

مساهمون:

ص٨٩٥
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. وكيف يبدل الإنسان نعمة اللّه ؟ . إن نعمة اللّه حين تصيب خلقا فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران ، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها . فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بدّلت . ولذلك يقول الحق في آية أخرى :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً »
وما داموا قد بدلوها كفرا ، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان الإيمان . إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان ، بالازدياد في التقرب إلى اللّه ، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر .
« وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
قد نفهم أن معنى
« شَدِيدُ الْعِقابِ »
هو أمر يتعلق بالآخرة ، ولعل أناسا يستبطئون الآخرة ، أو أناسا غير مؤمنين بالآخرة ، فلو كان الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقى الناس بمن لا يؤمنون بالآخرة . . أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فسادا ؛ لأنهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها ، أو أنها لا تخطر ببالهم . فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتى وسيكون فيها حساب ، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان . أما الذي لا يؤمن أن هناك يوما آخر فالدنيا تشقى به . فإذا لم يعجل اللّه بلون من العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقى الناس بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يسبتطئون . وكل جماعة لا تقبل على منهج اللّه ، ويبدلون نعمة اللّه كفرا لا بد أن يكون للّه فيهم عقاب عاجل ، وذلك ليعلم الناس أن من لم يرتدع إيمانا وخوفا من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا . فالظالم إذا علم أن ظالما مثله لقى عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظلم ؛ وإن لم يكن مؤمنا بالآخرة ، لأنه سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة . ولذلك لا يؤجل اللّه العقاب كله إلى الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا . ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة اللّه كفرا :
وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ( 28 ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ
( 29 ) ( سورة إبراهيم )
تفسير الشعراوي — صفحة 895 | محمد متولي الشعراوي