لأن الذين آمنوا ملتزمون ، وما دام الإنسان ملتزما فسيعوق نفسه عن حركات الوجود التي تأتيه من غير حل ، لكن هؤلاء قد انطلقوا بكل قواهم وملكاتهم إلى ما يزين لهم من الحياة .
لذلك تجد إنسانا يعيش في مستوى دخله الحلال ، ولا يملك إلا حلّة واحدة « بدلة » ، وإنسانا آخر يسرق غيره ، فتجد الثاني الذي يعيش على أموال غيره حسن المظهر والهندام وعندما يلتقى الاثنان تجد الذي ينهب يسخر من الذي يعيش على الحلال ، لماذا ؟ لأنه يعتبر نفسه في مقياس أعلى منه ، يرى نفسه حسن الهندام و « الشياكة » فيحسم الحق هذه المسألة ويقول :
« وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
.
لماذا يوم القيامة ، أليسوا فوقهم الآن ؟
إن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المنظور المرئى للناس ؛ لأنهم لا ينظرون إلى الراحة النفسية وهي انسجام ملكات الإنسان حينما يذهب لينام ، ولم يجرب على نفسه سقطة دينية ولا سقطة خلقية ، ولا يؤذى أحدا ، ولا يرتشى ، ولا ينم ولا يغتاب ، كيف يكون حاله عندما يستعرض أفعال يومه قبل نومه ؟ لا بد أن يكون في سعادة لا تقدر بمال الدنيا .
ولذلك لم يدخل اللّه هذا الإحساس في المقارنة ، وإنما أدخل المسألة التي لا يقدر عليها أحد .
« وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ( 31 ) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ ( 32 ) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ
( 33 )
( سورة المطففين )
ثم يقول الحق بعد ذلك :