تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 894

مساهمون:

ص٨٩٤
فكأن اللّه لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما أكرمهم به اللّه من خير سابق ؛ فساعة تقول : « اسأل فلانا عما فعلته معه » ، كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة ، وأنه لن يجد جوابا إلا ما يؤيد قولك . والحق يبلغ رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليهم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم . والحق سبحانه وتعالى يقول :
« سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ »
ساعة تسمع « كم » في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف « كم » التي تريد بها الاستفهام . وأنت تقول : « كم فعلت كذا مع فلان » و « كم صنعت معه معروفا » و « كم تهاونت معه » و « كم أكرمته » . لذلك فعندما تسمع « كم » هذه فاعرف أن معناها الكمية الكثيرة التي يكنى بها على أن عددها لا يحصى .
« سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ »
إن الحق يريد أن يضرب لنا مثلا كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك ، ويشكوك إلى إنسان ، فترد أنت لم ينقل لك الشكوى : سله ماذا قدمت له من جميل ، أنا لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم . وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه لا يستطيع أن يغير شيئا . ألم يفلق لهم البحر ؟ . ألم يجعل عصا موسى حية ؟ ألم يظللهم اللّه بالغمام ؟ ألم يعطهم اللّه المن والسلوى ؟ كل ذلك أعطاه اللّه لهم ؛ فلم يشكروا نعمة اللّه ، فحل عليهم غضبه ؛ أخذهم بالسنين والجوع وأخذهم بالقمل والضفادع والدم ، كل ذلك فعله اللّه معهم . . وحين يقول الحق لرسوله :
« سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ »
فالقول منسحب على أمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإذا جاءك واحد منهم فاسأله : كم آية أعطاها اللّه لكم فأنكرتموها ، وتلكأتم . وتعنتم .
« كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ »
إن « كم » تدل على الكمية الكبيرة ، و « من آية » : معناها الأمر العجيب . و « بينة » تعنى الأمر الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد .
« سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
تفسير الشعراوي — صفحة 894 | محمد متولي الشعراوي