تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 892

مساهمون:

ص٨٩٢
فيجب أن تعلم أن للّه صفات ليست كالصفات ، وأن اللّه أفعالا ليست كالأفعال ، فلا تجعل ذات اللّه مخالفة لذوات الناس ؛ ثم تأتى في الصفات التي قال اللّه فيها عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس ، فإذا كان اللّه يجئ ؛ فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكانا إلى مكان ، فهو سبحانه يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان ، تلك هي العظمة . فإذا قيل :
« إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ »
فلا تظن أن إتيانه كإتيانك ؛ لأن ذاته ليست كذاتك ، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم ، فإذا كان الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم ، وفي الصفات باختلاف منازلهم ، فالحق منزه عن كل شئ وكل تصور ، ولنأخذ كل شئ يتعلق به في إطار
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
؛ ففعل ربك يختلف عن فعلك . وإياك أن تخضع فعله لقانون فعلك ؛ لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلى زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك ، واللّه لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمنا ولكنه يقول :
« كُنْ فَيَكُونُ » *
. كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول : ساعة يجئ الأمر انخلعت كل قدرة لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر للّه وحده . و
« فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ »
. فيه شئ يظلك وفيه شئ تستظل به ، والشئ الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلّا أن ترى أين ظله وتذهب إليه ، وشئ آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد . وكلمة « ظلل » معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء ؛ ولذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ
( من الآية 32 سورة لقمان ) أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطا بهم ، فكأن اللّه يريد أن يخبرنا أن الكون سيندثر كله وسيأتيك الأمر المفزع ، الأمر المفجع ، والمؤمن كان يتوقعه ، وسيدخل