تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 878

مساهمون:

ص٨٧٨
لحديثى . فلم يكلف اللّه من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه وآمنوا به ، وما داموا قد أحبوا اللّه فلا بد أن يتجه كل مؤمن إلى من يحبه ؛ لأن اللّه لن يعطيه إلا ما يسعده . إذن فالتكليف من اللّه إسعاد لمن أحب ،
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً »
، وكلمة « في » تفيد الظرفية ، ومعنى الظرفية أن شيئا يحتوى شيئا ، مثال ذلك الكوب الذي يحتوى الماء فنقول : « الماء في الكوب » ، وكذلك المسجد يحتوى المصلين فنقول : « المصلون في المسجد » . والظرفية تدل على إحاطة الظرف بالمظروف ، وما دام الظرف قد أحاط بالمظروف إذن فلا جهة يفلت منها المظروف من الظرف . ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول :
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
( من الآية 71 سورة طه ) إن الصلب دائما يكون على شئ ، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكنا من المصلوب . فأنت إذا أردت أن تصلب شيئا على شئ فأنت تربطه على المصلوب عليه ، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه . ومثال ذلك ، هات عود كبريت وضعه على إصبعك ثم اربطه بخيط ربطا جيدا ، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك . والحق يقول :
« ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً »
والسّلم والسّلم والسّلم هو الإسلام ، فالمادة كلها واحدة ؛ لأن السلم ضد الحرب ، والإسلام جاء لينهى الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ولصالح الكون ولتكون في سلام مع اللّه وفي سلام مع الكون ، وفي سلام مع الناس . وفي سلام مع نفسك . قوله :
« ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ »
معناه حتى يكتنفكم السلم . إن اللّه هو الإله الخالق