إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم . إذن فقوله :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ »
يعنى باع نفسه وأخذ الجنة مقابلا لها ، هذا إذا كان معنى « يشرى » هو باع .
وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى ؟ هنا نفهم أنه اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شئ في سبيل أن تسلم نفسه الإيمانية . ومن العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين ، معنى « باع » ومعنى « اشترى » فها هو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي كان في مكة ، وقد كبر سنه ، وأسلم وأراد أن يهاجر ، فقال له الكفار : لقد جئت مكة فقيرا وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير ، ونريد أن تهاجر بمالك .
فقال لهم : أإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركونى ؟
قالوا : نعم .
قال : تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة ؟
قالوا : لك هذا .
إنه قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانيا بثروته ، فلما ذهب إلى المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له : ربح البيع يا أبا يحيى .
قال : وأربح اللّه كل تجارتكم .
وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك ، ويروى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : ربح البيع أبا يحيى . إذن معنى الآية وفق هذه القصة : أنه اشترى نفسه بماله ، وسياق الآية يتفق مع المعنى نفسه . وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم معنيين متقابلين .
ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى ، ففي غزوة بدر ، وهي أول غزوة في الإسلام ، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة ، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء الصناديد ، وأسروا منهم كثيرين أيضا ، وكان ممن قتلوا في هذه الغزوة واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث