ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم لإصلاحها ، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة ؛ لأنهم لا يتحركون بمنهج اللّه .
إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا « تولى » بمعنى رجع أو تولى ولاية سعى في الأرض ليفسد فيها ؛ فكأن الفساد في الأرض أمر طارئ وينتج من سعى الإنسان على غير منهج من اللّه . وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار ، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه فهو مفسد لا محالة .
وانظر إلى غباء الذي يفسد في الأرض ، هل يظن أنه هو وحده الذي سيستفيد في الأرض ، فأباح لنفسه أن يفسد في الأرض لغيره ؟ إنه ينسى الحقيقة ، فكما يفسد لغيره ، فغيره يفسد له ، فمن الخاسر ؟ كلنا سنخسر إذن .
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ
( من الآية 205 سورة البقرة )
والحرث له معنيان : فمرة يطلق على الزرع ، ومرة يطلق على النساء ، المعنى الأول ورد في قوله تعالى :
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
( من الآية 78 سورة الأنبياء )
فالحرث في الآية معناه : الزرع ، والزرع ناتج عن إثارة الأرض وإهاجتها .
وعملك يا أيها الإنسان أن تهيج الأرض وتثيرها ، وتأتى بالبذر الذي خلقه اللّه في الأرض التي خلقها اللّه ، وتسقيها بالماء الذي خلقه اللّه ، وتكبر في الهواء الذي خلقه اللّه ، ولذلك يلفتنا وينبهنا الحق - سبحانه - فيقول :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
( 64 ) ( سورة الواقعة )