وربما يتساءل إنسان : وكيف تظهر هذه الظاهرة في البيئة الإيمانية القوية في المدينة ؟ ونقول : لأن الإسلام في مكة كان ضعيفا ، والضعيف لا ينافقه أحد ، والإسلام في المدينة أصبح قويا ، والقوى هو الذي ينافقه الناس .
إذن فوجود النفاق في المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن الإيمان أصبح قويا بحيث يدعيه من ليس عنده إسلام . وهؤلاء كانوا يقولون قولا حسنا جميلا ، وقد يفعلون أمام من ينافقونه فعلا يعجب من يراهم أو يسمعهم ، ولكنهم لا يثبتون على الحق ، فإذا ما تولوا ، أي اختفوا عن أنظار من ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفرى ، أو إذا ائتمنوا على شئ فهم يسعون في الأرض فسادا .
والآية هنا تتعرض لشئ يدل على فطنة المؤمنين ، إنّ الآية فضحت من نافق .
وكان الأخنس عمدة في النفاق ، وفضيحة المنافق بهذه الصورة ، تدل على أن وراء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ووراء المؤمنين بمحمد ، ربّا يخبرهم بمن يدلس عليهم ، وأيضا ينبههم لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 206 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 206 )
ولا يقال له اتق اللّه إلا إذا كان قد عرف أنه منافق ، وما داموا قد قالوا له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق . ونفهم من هذه الآية أن المؤمن كيّس فطن ، ولا بد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة العقلية ، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الرباني ليعطيه القضية ، بل يريد اللّه أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة .
« وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ »
فكأن المظهر الذي يقول أو يفعل به ، ينافي التقوى ؛ لأنه قول معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب ، صحيح أنه يصلى في الصف الأول ،