تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 871

مساهمون:

ص٨٧١
ويتحمس لقضايا الدين ، ويقول القول الجميل الذي يعجب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ويعجب المؤمنين ، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة . ومعنى
« اتَّقِ اللَّهَ »
أي ليكن ظاهرك موافقا لباطنك ، فلا يكفى أن تقول قولا يعجب ، ولا يكفى أن تفعل فعلا يروق الغير ؛ لأن اللّه يحب أن يكون القول منسجما مع الفعل ، وأن يكون فعل الجوارح منسجما مع نيات القلب . إذن فالمؤمن لا بد وأن تكون عنده فطنة ، وذكاء ، وألمعيّة ، ويرى تصرفات المقابل ، فلا يأخذ بظاهر الأمر . ولا بمعسول القول ولا بالفعل ، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع انسجام نية . ولا يكتفى بأن يعرف ذلك وإنما لا بد أن يقول للمنافق حقيقة ما يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق ، لأنه عندما يقول له :
« اتَّقِ اللَّهَ »
يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف ، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق ، وفي ذلك رحمة من المؤمن بالمنافق . وكل من يرى ويلمح بذكائه نفاقا من أحد هنا يقول له :
« اتَّقِ اللَّهَ »
فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له :
« اتَّقِ اللَّهَ »
. فإذا قال له واحد :
« اتَّقِ اللَّهَ »
وقال له آخر :
« اتَّقِ اللَّهَ »
، وثالث ، ورابع ، فسيعرف تماما أن نفاقه قد انكشف ، ولم يعد كلامه يعجب الناس .
« وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ »
، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم ، وما دام اللّه قد قال :
« أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ »
، فهناك إذن عزة بغير إثم . نعم ، لأن العزة مطلوبة للمؤمن واللّه عز وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
( من الآية 8 سورة المنافقون ) وهذه عزة بالحق وليست بالإثم . وما الفرق بين العزة بالحق وبين العزة بالإثم ؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق . ألم يقل سحرة فرعون : فيما حكاه اللّه عنهم :
بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ
( من الآية 44 سورة الشعراء )