هاتوا شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم ؛ لأن معنى « اللّه يشهد » هو إخبار منك بأن اللّه يشهد لك . وأنت كاذب في هذه ، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك بإقحام اللّه في المسألة .
وساعة تسمع واحدا يقول لك : أشهد اللّه على أنى كذا ، فقل له : هذا إخبار منك بأن اللّه يشهد ، وأنت قد تكذب في هذا الخبر ، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم اللّه في هذه الشهادة .
« وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ »
وألد الخصام هو الفاسق في معصيته ، ويقال : فلان عنده لدد أي له فسق في خصومته ، ويجادل بالباطل . ولذلك يقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أبغض الرجال إلى اللّه هو الألد الخصم » « 1 » .
يعنى المجادل بالباطل الذي عنده قسوة في المعصية ، فهو عاص وفي الوقت نفسه قاس في معصيته . ولماذا هو ألد الخصام ؟ لأن الذي يجابهك بالأمر يجعلك تحتاط له ، أما الذي يقابلك بنفاق فهو الذي يريد أن يخدعك ، وهذا عنف في الخصومة ، فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما في باطنه ، لكن إذا جابهت الذي يبطن خصومته ويظهر محبته يكون قاسيا عليك في خصومته ؛ لأنه يريد أن يخدعك ويبيّت لك .
« وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها »
و « تولى » : انصرف أي يقول لك ما يعجبك ، فإذا تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة بإظهار ما كان يخفيه ، ويحتمل المعنى أنه إذا تولى شيئا آخر ، من الولاية ، ففيه « تولّى » من التّولّى وهو الانصراف والإعراض ، وفيه « تولّى » من الولاية .
« وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ »
كانت الأرض بدون تدخل البشر مخلوقة على هيئة الصلاح ، والفساد أمر طارئ من البشر .
ونعرف أن الفساد لم يطرأ على أي أمر إلا وللإنسان فيه دخل .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ، ومعنى « الألد الخصم » : الأشد في خصومته .