لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك أزمة هواء ؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه ، وبمقدار تدخل الإنسان يكون الفساد . لقد تدخلنا قليلا في المياه فجاء في ذلك فساد ، فلم نحسن نقلها في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة ، أو زاد عليها الكلور أو نقص . وبقدر ما يكون التدخل يكون الإفساد ، أما في الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى مصدر الماء المباشر في الآبار ويأخذ الماء الطبيعي الذي خلقه اللّه بلا تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره .
إذن على مقدار وجود الإنسان في حركة الحياة غير المرشّدة بالإيمان باللّه ينشأ الفساد ، ولذلك كان لا بد له من منهج سماوي للإنسان . والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهي مخلوقة بالغريزة وتؤدى مهمتها فقط ؛ فالدابة لم تمتنع يوما عن ركوبك عليها ، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك ، أو تستعين بها في الحرث ، أو الري ، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك ، لماذا ؟ لأنها مخلوقة بالغريزة التي تؤدى بها الحركة النافعة بدون اختيار منها . وإذا امتنعت في وقت فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلا .
لكن الذي له اختيار لا بد أن يكون له منهج يقول له : افعل هذه ولا تفعل تلك .
فإن استقام مع المنهج في « افعل » و « لا تفعل » سارت حياته بشكل متوازن ، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة . وهذا ما نفهمه من قوله تعالى :
« وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها »
، كأن الإفساد هو الذي يحتاج إلى عمل ، اترك الطبيعة والمخلوقات كما هي تجدها تعمل في انضباط وكمال على ما يرام .
إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذي يحيا بلا منهج لأنه
« إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها »
فكأن الأصل في الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح ، فإن لم تزد الصالح صلاحا فلا تحاول أن تفسده . قال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
( 12 )
( سورة البقرة )