تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 864

مساهمون:

ص٨٦٤
يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية ، وهذه القضية الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن . ومن الجائز أن تتقن الظاهر وتدلس على الناس في الباطن ، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن . فمن مصلحة الإنسان أن ينتمى هو والناس جميعا إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن هناك إلها حكيما يعرف كل شئ عنا جميعا . فإذا كان عندك شئ لا أعلمه ، وأنا عندي شئ أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا ؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعا ، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب . ولذلك قيل : « إن عمّيت على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء » . إذن فقضاء السماء وعلم اللّه بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها ، لأنه هو الذي سيحمى كل واحد منا من غيره . وعندما ستر اللّه غيبنا فذلك نعمة يجب أن نشكره عليها ؛ لأن النفوس متقلبة . فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا يسرك . . وقد لا تنساه أبدا ويظل رأيك فىّ سيئا ، لكن الظنون والآراء تمر عندي وعندك وتنتهى . ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة ، والقول المأثور يذكر ذلك : « لو تكاشفتم ما تدافنتم » . إذن فمن رحمة اللّه ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه . والحق يحذرنا ممن قال فيهم :
« وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من شر ، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال :
تفسير الشعراوي — صفحة 864 | محمد متولي الشعراوي