تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
ومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإباحة : أن الصحابة رضي اللّه عنهم ، لما سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، عما اصطادوه بالجوارح ، واستأذنوه في أكله ، نزل في ذلك قوله تعالى
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
[ المائدة : 4 ] فصار هذا الأمر بالأكل للإباحة لأنه وارد بعد سؤال ، واستئذان . ومن أمثلته من السنة : حديث مسلم : أأصلّي في مرابض الغنم ؟ قال « نعم » « 1 » الحديث ، فإن معنى نعم هنا : صلّ فيها . وهذا الأمر بالصلاة فيها للإباحة لأنه بعد الاستئذان ، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر ، أو الاستئذان معروف . هذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره ، ووجوب الحج عمن وجب عليه في الحياة ، ومات قبل أن يحج وترك مالا ، وقد علمت أدلتهم ومناقشتها . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الأحاديث التي ذكرنا ، تدل قطعا على مشروعية الحج عن المغصوب ، والميت . وقد قدمنا أن الأظهر عندنا وجوب الحج فورا ، وعليه فلو فرط ، وهو قادر على الحج ، حتى مات مفرطا مع القدرة ، أنه يحج عنه من رأس ماله ، إن ترك مالا ، لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته ، فكانت دينا عليه ، وقضاء دين اللّه صرح النبي صلى اللّه عليه وسلم في الأحاديث المذكورة بأحقيته حيث قال « فدين اللّه أحق أن يقضى » « 2 » . أما من عاجله الموت قبل التمكن ، فمات غير مفرط ، فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه ، ولا دين اللّه عليه ، لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته ، ولن يكلف اللّه نفسا إلا وسعها ، وقد دلت الأحاديث المذكورة على جواز حج الرجل عن المرأة ، وعكسه ، وعليه عامة العلماء ، ولم يخالف فيه إلا الحسن بن صالح بن حي . والأحاديث المذكورة حجة عليه ، وقد قدمنا أن مالكا رحمه اللّه ومن وافقوه ، لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرنا مع كثرتها وصحتها ، لأنها مخالفة عندهم ، لظاهر القرآن في قوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
( 39 ) [ النجم : 39 ] . وقوله
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] والمعضوب والميت ، ليس واحد منهما بمستطيع ، لصدق قولك : إنه غير مستطيع بنفسه . واعلم : أن ما اشتهر عن مالك من أنه يقول : لا يحج أحد عن أحد : معناه عنده : أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض . والمعضوب عنده ليس بقادر ، وأحرى الميت فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلا بوصية ، فإن أوصى به صح من الثلث
هامش
( 1 ) . أخرجه عن جابر بن سمرة مسلم في الحيض حديث 97 . ( 2 ) . أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الصوم حديث 1953 ، ومسلم في الصيام حديث 154 و 155 .