قال : قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح « 1 » ا ه . وأخرج البيهقي نحوه « 2 » بإسناد صحيح .
وقال الشافعي في مسنده : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن حنظلة ، سمعت طاوسا يقول :
أتت النبي صلى اللّه عليه وسلم امرأة ، فقالت : إن أمي ماتت ، وعليها حج قال « حجي عن أمك » « 3 » ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل ، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث وبما سيأتي إن شاء اللّه .
وقال مسلم بن الحجاج رحمه اللّه في صحيحه : وحدثني علي بن حجر السعدي ، حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن ، عن عبد اللّه بن عطاء ، عن عبد اللّه بن بريدة ، عن أبيه رضي اللّه عنه ، قال : بينا أنا جالس ، عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ أتته امرأة فقالت : إني تصدقت على أمي بجارية ، وإنها ماتت قال : فقال « وجب أجرك وردها عليك الميراث ، قالت : يا رسول اللّه ، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها ؟ قال : صومي عنها ، قالت : إنها لم تحج قط ، أفأحج عنها ؟ قال : حجي عنها » انتهى من صحيح مسلم « 4 » .
فهذه الأحاديث وأمثالها : هي حجة من قال : إن من وجب عليه الحج في الحياة ، وترك مالا وجب أن يحج عنه ، وليست كلها ظاهرة في ذلك . ولكن بعضها ظاهر فيه كتشبيهه بدين الآدمي ، ونحو ذلك مما تقدم . وأجاب المخالفون : بأن الحج أعمال بدنية ، وإن كانت تحتاج إلى مال . والأعمال البدنية : تسقط بالموت ، فلا وجوب لعمل بعد الموت ، والذي يحج عنه متطوع ، وفاعل خيرا قالوا : ووجه تشبيهه بالدّين انتفاع كل منهما بذلك الفعل ، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه ، والميت ينتفع بالحج عنه ، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد ، أن القضاء عنه واجب ، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه .
واحتجوا أيضا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت : واردة بعد الاستئذان في الحج عنه ، قالوا : والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الخطر ، فهو للإباحة ، لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإباحة .
قال ابن السبكي في جمع الجوامع في مبحث الأمر : فإن ورد بعد حظر قال الإمام :
أو استئذان فللإباحة . وقال أبو الطيب ، والشيرازي ، والسمعاني والإمام : للوجوب ، وتوقف إمام الحرمين انتهى منه . فتراه صدر بأن الأمر بعد الاستئذان للإباحة ، والخلاف في المسألة معروف ، وقد ذكرنا فيه أقوال أهل العلم ، في أبيات مراقي السعود في أول سورة المائدة .
هامش
( 1 ) . أخرجه الترمذي في الحج حديث 929 .
( 2 ) . السنن الكبرى ، كتاب الحج 4 / 335 .
( 3 ) . ترتيب المسند ، كتاب الحج حديث 996 .
( 4 ) . كتاب الصيام ، حديث 157 .