مستطيع إلى الحج سبيلا ، إلى آخر ما تقدم ، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح : أنه لا يحج أحد عن أحد ، ونحوه عن الليث ومالك ، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي ذكرنا وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب ، كتشبيهه بدين الآدمي وكقول السائل : يجزئ عنه أن أحج عنه . والإجزاء دليل المطالبة ، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول : إن عليه فريضة الحج ، ويستأذن النبي في الحج عنه ، وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة ، وبقوله للولد « أنت أكبر ولده » وأمره بالحج عنه .
وأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالا فأوجبوا عليه الحج ، وبين وجوده ولدا يطيعه فلم يوجبوه عليه ، فلأن المال ملكه ، فعليه أن يستأجر به ، والولد مكلف آخر ليس ملزما بفرض على شخص آخر ، ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيع ببدن ، ولا بزاد وراحلة ، ولو وجد إنسانا غير الولد يطيعه في الحج عنه ، فهل يكون حكمه حكم الولد ؟ فيه خلاف معروف . وفي فروع الشافعية توجيه كل قول منها ، فانظره في النووي في شرح المهذب وأظهرها أنه كالولد .
تنبيه
إذا مات الشخص ، ولم يحج ، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه ، أو بغيره عند من يقول بذلك ، وكان قد ترك مالا ، فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله ؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم ، فقال بعضهم : يجب أن يحج عنه ، ويعتمر عنه من تركته ، سواء مات مفرطا أو غير مفرط لكون الموت عاجله عن الحج فورا . وبهذا قال الشافعي وأحمد .
قال ابن قدامة في المغني : وبهذا قال الحسن ، وطاوس ، والشافعي . وقال أبو حنيفة ، ومالك : يسقط بالموت ، فإن أوصى بذلك ، فهو في الثلث وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية ، فتسقط بالموت كالصلاة ، واحتجوا أيضا : بأن ظاهر القرآن كقوله
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
( 39 ) [ النجم : 39 ] مقدم على ظاهر الأحاديث . بل على صريحها : لأنه أصح منها . وأجاب المخالفون : بأن الأحاديث مخصصة لعموم القرآن ، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه ، بتقديم المال ، وأجرة من يحج عنه . فهذا من سعيه ، وأجابوا عن قياسه على الصلاة ، بأنها لا تدخلها النيابة ، بخلاف الحج ، والذين قالوا : يجب أن يحج عنه ، من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك ، تقتضي أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته ، أنه يحج عنه . منها : ما رواه البخاري في صحيحه : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج ، حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال : « نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت