الحديث من الفقه : أن ترك السؤال من التقوى ، ويؤيده أن اللّه مدح من لم يسأل الناس إلحافا ، فإن قوله
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
أي تزودوا ، واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك . انتهى محل الغرض منه .
وفيه دليل ظاهر : على حرمة خروج الإنسان حاجا ، بلا زاد ، ليسأل الناس وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيرا كان ، أو غنيا كانت عادته السؤال في بلده أو لا ، وحمل النصوص على ظواهرها واجب إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، ومما يؤيد هذا أن الذين مدحهم اللّه في كتابه ، بتركهم سؤال الناس ، كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم ، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم ، وذلك في قوله تعالى
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
[ البقرة : 273 ] الآية فصرح بأنهم فقراء وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال .
ووجه إشارة الآية ، إلى شدة فقرهم ، هو ما فسرها به بعض أهل العلم ، من أن معنى قوله
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
أي بظهور آثار الفقر والحاجة عليهم .
وقال ابن جرير في تفسيره ، بعد أن ذكر القول : بأن المراد بسيماهم : علامة فقرهم من ظهور آثار الجوع ، والفاقة عليهم ، والقول الآخر : أن المراد بسيماهم : علامتهم التي هي : التخشع ، والتواضع ما نصه :
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن اللّه عز وجل أخبر نبيه صلى اللّه عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم ، وآثار الحاجة فيهم . انتهى محل الغرض منه .
وقال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور : وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن الربيع
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
يقول : تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة . وأخرج بن جرير ، عن ابن زيد
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
قال : رثاثة ثيابهم . انتهى . ومثل هذا كثير في كلام المفسرين .
فالآية الكريمة : تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر المتعفف عن مسألة الناس ، وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس ، والأحاديث الواردة في ذم السؤال مطلقا كثيرة جدا .
وبذلك كله : تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإسلام ، وأن قول بعض المالكية : إنه لا يعد استطاعة هو الصواب . وهو قول جمهور أهل العلم . وممن ذهب إليه : الشافعي ، وأحمد ، وأبو حنيفة ، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأحمد ، وإسحاق . وبه قال بعض أصحاب مالك . قال