قلت : ونصوص أهل المذهب التي وقفت عليها مصرحة بخلاف ذلك ، وأن الحج واجب على من عادته السؤال ، إذا كانت العادة إعطاءه ، ثم سرد كثيرا من نقول علماء المالكية مصرحة بوجوب الحج عليه ، وأهل هذا القول من علماء المالكية ، وهم الأكثرون - وجهوه بأنه محمول على الفقير الذي يباح له السؤال لعدم قدرته على كسب ما يعيش به ، وأن ذلك السؤال لما كان جائزا له ، وصار عيشه منه في الحضر ، فهو بذلك السؤال والإعطاء قادر على الوصول إلى مكة . قالوا : ومن قدر على ذلك بوجه جائز لزمه الحج .
قال مقيده ، عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل من قولي المالكية في هذه المسألة : هو القول الأول ، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش في طريقه بتكفف الناس ، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة .
ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ
[ التوبة : 91 ] الآية . وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارا : أن العبرة بعموم الألفاظ ، لا بخصوص الأسباب ، وبينا أدلة ذلك من السنة الصحيحة ، فقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة ، برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون . ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره ، داخل في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون . وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم ، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجوب الحج ، وهو واضح . وقد استدل الشيخ ابن القاسم رحمه اللّه بهذه الآية المذكورة على ما ذكرنا .
ولكن كثيرا من متأخري علماء المالكية حملوا قول ابن القاسم الذي احتج عليه بالآية المذكورة ، على من ليس عادته السؤال في بلده ، قالوا : فلم يتناول قوله محل النزاع .
قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : ظاهر الآية الكريمة العموم في جميع الذين لا يجدون ما ينفقون ، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال ، بدون دليل من كتاب ، أو سنة لا يصح ولا يعول عليه . وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلا بدليل يجب الرجوع إليه .
سواء كان من المخصصات المتصلة ، أو المنفصلة .
ومما يؤيد هذا في الجملة ما ثبت في صحيح البخاري . حدثنا يحيى بن بشر ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال :
كان أهل اليمن يحجّون ، ولا يتزودون ، ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس ، فأنزل اللّه تعالى
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] ورواه ابن عيينة ، عن عكرمة مرسلا . انتهى من صحيح البخاري « 1 » .
وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث : قال المهلب : في هذا
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث 1523 .