يحتج به لضعفه . وبما ذكرنا تعلم أن الحديث المذكور لا يقل عن درجة الاحتجاج ، ووجه الدلالة منه ، على أن الحرية شرط في وجوب الحج أنه لو حج وهو مملوك ثم أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإسلام ، فلو كان واجبا عليه في حال كونه مملوكا أجزأه حجة عن حجة الإسلام كما هو ظاهر ، والعلم عند اللّه تعالى .
وقال أبو عيسى الترمذي رحمه اللّه ما نصه : وقد أجمع أهل العلم : أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك ، فعليه الحج ، إذا أدرك لا تجزىء عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام ، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلا ، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق .
وأما الاستطاعة : فقد نص تعالى على اشتراطها في قوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[ آل عمران : 97 ] ومعنى الاستطاعة في اللغة العربية معروف ، وتفسير الاستطاعة في الآية اختلف فيه العلماء .
فالاستطاعة في مشهور مذهب مالك الذي به الفتوى : هي إمكان الوصول ، بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية ، مع الأمن على النفس ، والمال . ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة ، بل يجب الحج عندهم على القادر على المشي ، إن كانت له صنعة يحصل منها قوته في الطريق : كالجمال ، والخراز ، والنجار ، ومن أشبههم .
قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره : ووجب باستطاعة بإمكان الوصول ، بلا مشقة عظمت ، وأمن على نفس ، ومال ما نصه : وقال مالك في كتاب محمد ، وفي سماع أشهب لما سئل عن قوله تعالى
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
أذلك الزاد ، والراحلة ؟
قال : لا واللّه ، ما ذلك إلا طاقة الناس ، الرجل يجد الزاد والراحلة ، ولا يقدر على المسير ، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه ولا صفة في هذا أبين مما قال اللّه تعالى
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وزاد في كتاب محمد : وربّ صغير أجلد من كبير ، ونقل في المقدمات كلام مالكم ثم قال بعده : فمن قدر على الوصول إلى مكة ، إما راجلا بغير كبير مشقة ، أو راكبا بشراء أو كراء . فقد وجب عليه الحج ، ونقله في التوضيح . انتهى من الحطاب .
واعلم : أن بعض المالكية يشترطون في الصنعة المذكورة ، ألا تكون مرزية به .
واعلم أن المالكية : اختلفوا في الفقير الذي عادته سؤال الناس في بلده ، وعادة الناس إعطاؤه ، وذلك السؤال هو الذي منه عيشته إذا علم أنه إن خرج حاجا ، وسأل أعطاه الناس ما يعيش به ، كما كانوا يعطونه في بلده ، هل سؤاله الناس وإعطاؤهم إياه يكون بسببه مستطيعا لقدرته على الزاد بذلك ، فيجب عليه الحج بذلك ، أو لا يجب عليه بذلك ؟
فذهب بعضهم : إلى أن ذلك لا يجب عليه به الحج ، ولا يعد استطاعة ، وبهذا القول