اعوجاج فيه ، وهو دين الإسلام الذي أمره أن يدعو الناس إليه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين ، جاء واضحا في مواضع أخر كقوله في الأول منهما
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
( 87 ) [ القصص : 87 ] وقوله تعالى
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
[ الشورى : 15 ] الآية وقوله تعالى
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل : 125 ] وأخبر جل وعلا أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله تعالى
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 73 ) [ المؤمنون : 73 ] وقوله
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الشورى : 52 ] وكقوله في الأخير
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
[ النمل : 79 ] وقوله
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها
[ الجاثية : 18 ] الآية وقوله تعالى
وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً
[ الفتح : 2 ] . والآيات بمثل هذا كثيرة .
قوله تعالى :
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ
[ 68 ] .
أمر اللّه جل وعلا نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية الكريمة : أنه إن جادله الكفار : أي خاصموه بالباطل وكذبوه ، أن يقول لهم : اللّه أعلم بما تعملون .
وهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين :
أحدهما : أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يهددهم بقوله : اللّه أعلم بما تعملون : أي من الكفر ، فمجازيكم عليه أشد الجزاء .
الثاني : الإعراض عنهم ، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه الآية في غير هذا الموضع .
أما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير له فيها قوله تعالى
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
( 41 ) [ يونس : 41 ] .
وأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع كقوله
هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
[ الأحقاف : 8 ] وقوله
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
( 147 ) [ الأنعام : 147 ] فقوله
وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ
الآية فيه أشد الوعيد للمكذبين ، كما قال
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[ المرسلات : 15 ] في مواضع متعددة ، وهم إنما يكذبونه بالجدال ، والخصام بالباطل . وقد أمره اللّه في غير هذا الموضع أن يجادلهم بالتي هي أحسن وذلك في قوله
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] وقوله
* وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ العنكبوت : 46 ] وبين له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل ، إلا جاءه اللّه بالحق الذي يدمغ ذلك الباطل ، مع كونه أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحقائق وذلك في قوله
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ