وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا لموضع كقوله تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] وقوله
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
( 28 ) [ النساء : 28 ] وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ، وابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ خواتم سورة البقرة ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله قد فعلت في رواية ابن عباس . وفي رواية أبي هريرة قال : نعم . ومن رفع الحرج في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه ، وصلاة العاجز عن القيام قاعدا وإباحة المحظور للضرورة كما قال تعالى
وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
[ الأنعام : 119 ] الآية إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج ، والتخفيف في شريعة نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، هو إحدى القواعد الخمس ، التي بنى عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس .
الأولى : الضرر يزال ومن أدلتها حديث : « لا ضرر ولا ضرار » « 1 » .
الثانية : المشقة تجلب التيسير : وهي التي دل عليها قوله هنا
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وما ذكرنا في معناها من الآيات .
الثالثة : لا يرفع يقين بشك ، ومن أدلتها حديث « من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا » « 2 » لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها .
الرابعة : تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم ، ونحو ذلك . واستدل لهذه بعضهم بقوله
وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
[ الأعراف : 199 ] الآية .
الخامسة : الأمور تبع المقاصد ، ودليل هذه حديث « إنما الأعمال بالنيات » « 3 » الحديث . وقد أشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله :
قد أسس الفقه على رفع الضرر * وأن ما يشق يجلب الوطر
ونفى رفع القطع بالشك وأن * يحكم العرف وزاد من فطن
كون الأمور تبع المقاصد * مع التكلف ببعض وارد
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .
( 2 ) . أخرجه عن عباد بن تميم عن عمه : البخاري في الوضوء حديث 137 و 177 ، ومسلم في الحيض حديث 98 . وأخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الحيض حديث 99 .
( 3 ) . أخرجه عن عمر بن الخطاب : البخاري في الإيمان حديث 54 ، والحيل حديث 6953 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 .