قوله تعالى
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
[ 78 ] .
قال بعضهم : هو منصوب بنزع الخافض ، ومال إليه ابن جرير : أي ما جعل عليكم في دينكم من ضيق ، كملة إبراهيم ، وأعربه بعضهم منصوبا بمحذوف : أي الزموا ملة أبيكم إبراهيم ، ولا يبعد أن يكون قوله
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
شاملا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 77 ) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ
[ الحج : 77 - 78 ] . ويوضح هذا قوله تعالى
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً
[ الأنعام : 161 ] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم : شامل لما ذكر كله .
قوله تعالى :
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
[ 78 ] .
اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله
هُوَ سَمَّاكُمُ
فقال بعضهم اللّه هو الذي سماكم المسلمين من قبل ومن هذا ، وهذا القول مروى عن ابن عباس « 1 » ، وبه قال مجاهد وعطاء ، والضحاك ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة . كما نقله عنهم ابن كثير .
وقال بعضهم : هو أي إبراهيم سماكم المسلمين ، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل
وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
[ البقرة : 128 ] وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، كما نقله عنه ابن كثير . وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول . وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة ، وفيما مضى من الكتاب ، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب .
إحداهما : أن اللّه قال
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
أي القرآن ، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن ، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير .
القرينة الثانية : أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى اللّه ، لا إلى إبراهيم فقوله
هُوَ اجْتَباكُمْ
أي اللّه وما جعل عليكم في الدين من حرج : أي اللّه هو سماكم المسلمين : أي اللّه .
فإن قيل : الضمير يرجع إلى أقرب مذكور ، وأقرب مذكور للضمير المذكور : هو إبراهيم .
فالجواب : أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف ،
هامش
( 1 ) . أخرجه ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 144 .