زعمت سخينة أن ستغلب ربها * وليغلبن مغالب الغلاب
ومراده بسخينة قريش : يعني أنهم يحاولون غلبة ربهم ، واللّه غالبهم بلا شك والوجه الأول أظهر . وأما على قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو : معجزين بكسر الجيم المشددة ، بلا ألف ، فالأظهر أن المعنى معجزين : أي مشطين من أراد الدخول في الإيمان عن الدخول فيه ، وقيل معجزين من اتبع النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعنى ذلك : أنهم ينسبونهم إلى العجز من قولهم :
عجزه بالتضعيف إذا نسبه إلى العجز الذي هو ضد الحزم ، يعنون أنهم يحسبون المسلمين سفهاء لا عقول لهم ، حيث ارتكبوا أمرا غير الحزم والصواب ، وهو اتباع دين الإسلام في زعمهم كما قال تعالى عن إخوانهم المنافقين
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ
[ البقرة : 13 ] الآية وقوله في هذه الآية الكريمة
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا .
اعلم أولا : أن السعي يطلق على العمل في الأمر لإفساده وإصلاحه ، ومن استعماله في الإفساد قوله تعالى هنا
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا
أي سعوا في إبطالها وتكذيبها بقولهم :
إنها سحر وشعر وكهانة وأساطير الأولين ، ونحو ذلك . ومن إطلاق السعي في الفساد أيضا قوله تعالى
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها
[ البقرة : 205 ] الآية ومن إطلاق السعي في العمل للإصلاح قوله تعالى
إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً
( 22 ) [ الإنسان : 22 ] وقوله
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى
( 9 ) [ عبس : 8 - 9 ] الآية إلى غير ذلك من الآيات .
ومن إطلاق السعي على الخير والشر معا قوله تعالى
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
( 4 ) [ الليل : 4 ] إلى قوله
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى
( 11 ) [ الليل : 11 ] وهذه الآية التي ذكرها هنا في سورة الحج التي هي قوله تعالى
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 50 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 51 ) جاء معناها واضحا في سورة سبأ في قوله تعالى
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
( 5 ) [ سبأ : 4 - 5 ] فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم المذكور في الحج .
قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 )
[ 52 ] .
معنى قوله تمنى في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان :
الأول : أن تمنى بمعنى : قرأ وتلا ومنه قول حسان في عثمان بن عفان رضي اللّه عنه :
تمنى كتاب اللّه أول ليله * وآخرها لاقى حمام المقادر
وقول الآخر .