تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير ، لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد ، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها . فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فيما أحسب ، ثم ساق حديث القصة المذكورة ، وقال البزار : لا يرى متصلا إلا بهذا الإسناد ، تفرد بوصله أمية بن خالد ، وهو ثقة مشهور ، وقال البزار : وإنما يروى من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . والكلبي متروك . فتحصل أن قصة الغرانيق ، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك رواية في الوصل ، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه ، ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره : إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح . وقال الشوكاني في هذه القصة : ولم يصح شيء من هذا ، ولا يثبت بوجه من الوجوه ، ومع عدم صحته ، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب اللّه كقوله
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ
( 44 ) [ الحاقة : 44 ] الآية وقوله
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
( 3 ) [ النجم : 3 ] الآية . وقوله
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا
[ الإسراء : 74 ] فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون ، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل ، وعن البيهقي أنه قال : هي غير ثابتة من جهة النقل ، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة : أن هذه القصة من وضع الزنادقة وأبطلها ابن العربي المالكي ، والفخر الرازي وجماعات كثيرة ، وقراءته صلى اللّه عليه وسلم سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح « 1 » ، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق . وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال . وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري : إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل ، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض ، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها ، دل ذلك على أن لها أصلا . فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها ، وأقربها : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يرتل السورة ترتيلا تتخلله سكتات ، فلما قرأ
وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) قال الشيطان لعنه اللّه محاكيا لصوته : تلك الغرانيق العلى الخ فظن المشركون أن الصوت صوته صلى اللّه عليه وسلم ، وهو بريء ومن ذلك براءة الشمس من اللمس ، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحا وافيا ، واختصرناها هنا ، وفي كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب .
هامش
( 1 ) . أخرجه عن ابن عباس البخاري في أبواب سجود القرآن حديث 1070 و 1071 ، وفضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم حديث 3853 ، والمغازي حديث 3972 ، والتفسير حديث 4862 و 4863
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 500 | الشنقيطي