تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
قال مجاهد : معاجزين يثبطون الناس عن متابعة النبي صلى اللّه عليه وسلم وكذا قال عبد اللّه بن الزبير : مثبطين . وقال ابن عباس : معاجزين أي مغالبين ومشاقين « 1 » ، وعن الفراء معاجزين : معاندين . وعن الأخفش معاجزين : معائدة مسابقين ، وعن الزجاج معاجزين : أي ظانين أنهم يعجزوننا ، لأنهم ظنوا ألا بعث ، وأن اللّه لا يقدر عليهم . واعلم : أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه الجمهور : معاجزين بألف بين العين والجيم بصيغة المفاعلة اسم فاعل عاجزه ، وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو : معجزين بلا ألف مع تشديد الجيم المسكورة على صيغة اسم الفاعل من عجزه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الظاهر بحسب الوضع العربي في قراءة الجمهور معاجزين : هو اقتضاء طرفين ، لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، والمفاعلة تقتضي الطرفين إلا لدليل يصرف عن ذلك ، واقتضاء المفاعلة الطرفين في الآية من طريقين . الأولى : هي ما قاله ابن عرفة من أن معنى معاجزين في الآية أنهم يعاجزون الأنبياء وأتباعهم ، فيحاول كل واحد منهما إعجاز الآخر فالأنبياء وأتباعهم ، يحاولون إعجاز الكفار وإخضاعهم لقبول ما جاء عن اللّه تعالى ، والكفار يقاتلون الأنبياء ، وأتباعهم ، ويمانعونهم ، ليصيروهم إلى العجز عن أمر اللّه . وهذا الوجه ظاهر كما قال تعالى
وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا
[ البقرة : 217 ] وعليه فمفعول معاجزين معاجزين محذوف : أي معاجزين الأنبياء وأتباعهم ، أي مغالبين لهم ، ليعجزوهم عن إقامة الحق . الطريقة الثانية : هي التي ذكرناها آنفا عن الزجاج أن معنى معاجزين : ظانين أنهم يعجزون ربهم ، فلا يقدر عليهم لزعمهم أنه لا يقدر على بعثهم بعد الموت كما قال تعالى
زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا
[ التغابن : 7 ] وكما قال تعالى
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
( 78 ) [ يس : 78 ] وقال تعالى عنهم إنهم قالوا
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
( 29 ) [ الأنعام : 29 ]
وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ
( 35 ) [ الدخان : 35 ] وعلى هذا القول فالكفار معاجزين اللّه في زعمهم الباطل ، وقد بين تعالى في آيات كثيرة أن زعمهم هذا كاذب ، وأنهم لا يعجزون ربهم بحال كقوله تعالى
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ
( 2 ) [ التوبة : 2 ] وقوله
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
( 3 ) [ التوبة : 3 ] وقوله
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[ العنكبوت : 22 ] الآية وقوله تعالى في الجن
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً
( 12 ) [ الجن : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا أن مما يوضح هذا الوجه الأخير قول كعب بن مالك رضي اللّه عنه :
هامش
( 1 ) . أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 130 .