تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
بأمثلة متعددة ، وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين : وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، هذا الشرك الأكبر والكفر البواح الذي هو قولهم : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ، يعنون : اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ، الذي لا شك في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى ، في اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
[ النجم : 23 ] وليس من المعقول أن النبي صلى اللّه عليه وسلم يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرا عن ذكره لها بخير المزعوم ، إلا وغضبوا ، ولم يسجدوا لأن العبرة بالكلام الأخير ، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول ، وهي الآيات الدالة على أن اللّه لم يجعل للشيطان سلطانا على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإخوانه من الرسل ، وأتباعهم المخلصين كقوله تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ
( 100 ) [ النحل : 99 - 100 ] وقوله تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
( 42 ) [ الحجر : 42 ] وقوله تعالى
وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ
[ سبأ : 21 ] الآية وقوله :
وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ
[ إبراهيم : 22 ] الآية . وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسانه صلى اللّه عليه وسلم ذلك الكفر البواح ، فأي سلطان له أكبر من ذلك . ومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النبي صلى اللّه عليه وسلم :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
( 4 ) [ النجم : 3 - 4 ] وقوله
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ( 221 ) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
( 222 ) [ الشعراء : 221 - 222 ] وقوله في القرآن العظيم :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر : 9 ] وقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
( 42 ) [ فصلت : 41 - 42 ] فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم .

مسألة

اعلم : أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا ، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج ، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب ، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . ومعلوم أن الكلبي متروك ، وقد بين البزار رحمه اللّه : أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير ، مع الشك الذي وقع في وصله ، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره ، لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 499 | الشنقيطي