أيضا ، وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قلت : يا رسول اللّه نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد ؟ قال : « لكن أفضل من الجهاد : حج مبرور » رواه البخاري « 1 » : وعنها أيضا رضي اللّه عنها : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « ما من يوم أكثر من أن يعتق اللّه فيه عبدا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ، فيقول : ما أراد هؤلاء » أخرجه مسلم بهذا اللفظ « 2 » .
والأحاديث في الباب كثيرة . وفضل الحج وكونه من الدعائم الخمس معروف .
واعلم : أن وجوب الحج المذكور تشترط له شروط : وهي : العقل ، والبلوغ ، والإسلام ، والحرية ، والاستطاعة . ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم ، أما العقل فكونه شرطا في وجوب كل تكليف واضح ، لأن غير العاقل لا يصح تكليفه بحال . وأما اشتراط البلوغ فواضح ، لأن الصبي مرفوع عنه القلم ، حتى يحتلم ، فالبلوغ والعقل كلاهما : شرط وجوب وأما الإسلام : فالظاهر أنه على القول ، بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، فهو شرط صحة لا شرط وجوب ، وعلى أنهم غير مخاطبين بها ، فهو شرط وجوب ، والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة كما أوضحنا أدلته في غير هذا الموضع ، فيكون الإسلام شرط صحة في حقهم ، ومعلوم أنه على أنه شرط وجوب ، فهو شرط صحة أيضا ، لأن بعض شروط الوجوب ، يكون شرطا في الصحة أيضا : كالوقت للصلاة . فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضا ، وقد يكون شرط الوجوب ليس شرطا في الصحة كالبلوغ ، والحرية ، فإن الصبي لا يجب عليه الحج ، مع أنه يصح منه لو فعله ، وكذلك العبد إلا أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام ، إلا إذا كان كان بعد البلوغ وبعد الحرية . وأما الحرية : فهي شرط وجوب ، فلا يجب الحج على العبد ، واستدل العلماء على عدم وجوب الحج على العبد بأمرين :
الأول : إجماع أهل العلم على ذلك . ولكنه إذا حج صح حجه ، ولم يجزئه عن حجة الإسلام ، فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإسلام .
قال النووي في شرح المهذب : أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج ، لأن منافعه مستحقة لسيده ، فليس هو مستطيعا . ويصح منه الحج بإذن سيده ، وبغير إذنه بلا خلاف عندنا . قال القاضي أبو الطيب : وبه قال الفقهاء كافة ، وقال داود : لا يصح بغير إذنه انتهى محل الغرض منه .
الأمر الثاني : حديث جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم يدل على ذلك : وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم جاء عنه من حديث ابن عباس أنه قال : « أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإسلام ، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام » قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث « 3 » : رواه ابن
هامش
( 1 ) . كتاب الحج حديث 1520 .
( 2 ) . كتاب الحج حديث 436 .
( 3 ) . تلخيص الحبير ، كتاب الحج حديث ( 953 ) 2 / 220 .