تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
ضامِرٍ
الآية . قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء ؛ إلى أن الحج ماشيا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبا ، لأنه قدمهم في الذكر ، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم : وقال وكيع ، عن أبي العميس ، عن أبي حلحلة ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس قال : ما آسى على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيا ، لأن اللّه يقول
يَأْتُوكَ رِجالًا .
والذي عليه الأكثرون : أن الحج راكبا أفضل اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه حج راكبا مع كمال قوته صلى اللّه عليه وسلم . انتهى منه . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : اعلم أنه قد تقرر في الأصول : أن منشأ الخلاف في هذه المسألة ، التي هي : هل الركوب في الحج . أفضل ، أو المشي ؟ ونظائرها كون أفعال النبي صلى اللّه عليه وسلم بالنظر إلى الجبلة والتشريع ثلاثة أقسام : القسم الأول : هو الفعل الجبلي المحض : أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها ، كالقيام ، والقعود ، والأكل ، والشرب ، فإن هذا لم يفعل التشريع والتأسي ، فلا يقول أحد : أنا أجلس وأقوم تقربا للّه ، واقتداء بنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه كان يقوم ويجلس لأنه لم يفعل ذلك للتشريع والتأسي . وبعضهم يقول : فعله الجبلي يقتضي الجواز ، وبعضهم يقول : يقتضي الندب . والظاهر ما ذكرنا من أنه لم يفعل للتشريع ، ولكنه يدل على الجواز . القسم الثاني : هو الفعل التشريعي المحض ؛ وهو الذي فعل لأجل التأسي ، والتشريع كأفعال الصلاة ، وأفعال الحج مع قوله : « صلّوا كما رأيتموني أصلّي » « 1 » . وقوله : « خذوا عني مناسككم « 2 » . القسم الثالث : وهو المقصود هنا هو الفعل المحتمل للجبلي والتشريعي . وضابطه : أن تكون الجبلة البشرية تقضيه بطبيعتها ، ولكنه وقع متعلقا بعبادة بأن وقع فيها ، أو في وسيلتها كالركوب في الحج ، فإن ركوبه صلى اللّه عليه وسلم في حجه محتمل للجبلة ، لأن الجبلة البشرية تقتضي الركوب ، كما كان يركب صلى اللّه عليه وسلم في أسفاره غير متعبد بذلك الركوب ، بل لاقتضاء الجبلة إياه : ومحتمل للشرعي لأنه صلى اللّه عليه وسلم فعله في حال تلبسه بالحج وقال : « خذوا عني مناسككم » . ومن فروع هذه المسألة : جلسة الاستراحة في الصلاة والرجوع من صلاة العيد في طريق أخرى غير الذي ذهب فيها إلى صلاة العيد . والضجعة على الشق الأيمن ، بين ركعتي الفجر ، وصلاة الصبح ، ودخول مكة من كداء بالفتح والمد ، والخروج من كدى
هامش
( 1 ) . أخرجه عن مالك بن الحويرث : البخاري في الأذان والجماعة حديث 631 ، والأدب حديث 6008 ، وأحمد في المسند 5 / 53 . ( 2 ) . أخرجه عن جابر بن عبد اللّه : مسلم في الحج حديث 310 ، وأبو داود في المناسك حديث 1970 ، والنسائي في مناسك الحج ، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم ، وأحمد في المسند 3 / 337 ، 378 ، والبيهقي في السنن الكبرى 5 / 125 .