تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
والخطاب في قوله
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
لإبراهيم كما هو ظاهر من السياق . وهو قول الجمهور ، خلافا لمن زعم أن الخطاب لنبينا صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى إبراهيم وسلم ، وممن قال بذلك : الحسن ، ومال إليه القرطبي ، فقوله تعالى
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
أي وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج : أي أعلمهم ، وناد فيهم بالحج : أي بأن اللّه أوجب عليهم حج بيته الحرام . وذكر المفسرون أنه لما أمره ربه ، أن يأذن في الناس بالحج قال : يا رب ، كيف أبلغ الناس ، وصوتي لا ينفذهم ، فقال : ناد وعلينا البلاغ ، فقام على مقامه . وقيل : على الحجر . وقيل : على الصفا . وقيل : على أبي قبيس ، وقال : يا أيها الناس ، إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه ، فيقال : إن الجبال تواضعت ، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض ، وأسمع من في الأرحام والأصلاب ، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ، ومن كتب اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة : لبيك اللهم لبيك . قال ابن كثير رحمه اللّه بعد أن ذكر هذا الكلام « 1 » : هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف واللّه أعلم ، وأوردها ابن جرير « 2 » وابن أبي حاتم مطولة . انتهى منه . وقوله تعالى :
يَأْتُوكَ رِجالًا
مجزوم في جواب الطلب ، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدر ، دل عليه الطلب على الأصح : أي إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك . وإنما قال « يأتوك » لأن المدعو يتوجه نحو الداعي ، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج ، لأن نداء إبراهيم للحج : أي يأتوك ملبين دعوتك ، حاجين بيت اللّه الحرام ، كما ناديتهم لذلك ، وعلى قول الحسن الذي ذكر عنه : أن الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم . ففي هذه الآية دليل على وجوب الحج ، وعلى قول الجمهور ، فوجوب الحج بها على هذه الأمة ، مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، كما أوضحناه في سورة المائدة ، مع أنه دلت آيات أخر ، على أن الإيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضا على لسان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، كقوله تعالى :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( 97 ) [ آل عمران : 97 ] وقوله تعالى :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] وقوله تعالى :
* إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
( 158 ) [ البقرة : 158 ] . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية « 3 » . وقوله :
يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ
هامش
( 1 ) . التفسير 3 / 217 . ( 2 ) . أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 106 . ( 3 ) . التفسير 3 / 217 .