والثاني : أنها مصدرية بناء على دخول « أن » المصدرية على الأفعال الطلبية .
فإن قيل : كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم ، وهو غير مذكور هنا ؟
فالجواب : أنه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا ، لأن كلام اللّه يصدق بعضه بعضا ، والتطهير هنا في قوله
طَهِّرا بَيْتِيَ
يشمل التطهير المعنوي والحسي ، فيطهره الطهارة الحسية من الأقذار ، والمعنوية : من الشرك والمعاصي ، ولذا قال
لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً
وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون اللّه ، وقد قدمنا في سورة الإسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح ، وطهرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أنجاس الأوثان وأقذارها . كما أمر اللّه بذلك إبراهيم هنا وقال لنبينا صلى اللّه عليه وسلم
ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
[ النحل : 123 ] الآية والمراد بالطائفين في هذه الآية : الذين يطوفون حول البيت ، والمراد بالقائمين والركع السجود : المصلون أي طهر بيتي للمتعبدين ، بطواف ، أو صلاة ، والركع : جمع راكع ، والسجود : جمع ساجد .
وقوله تعالى في هذه الآية
لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً
لفظة « شيئا » مفعول به : للا تشرك :
أي لا تشرك بي من الشركاء كائنا ما كان ، ويحتمل أن تكون ما ناب عن المطلق ، من لا تشرك : أي لا تشرك بي شيئا من الشرك ، لا قليلا ، ولا كثيرا .
فالمعنى على هذا : لا تشرك بي شركا قليلا ، ولا كثيرا ، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص ، وابن عامر في رواية هشام . بيتي بفتح الياء ، وقرأ باقي السبعة بإسكانها .
واعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم ، وإسماعيل للبيت ، ومن جملة ما يزعمون ، أن البيت الحرام رفعه اللّه إلى السماء أيام الطوفان ، وأنه كان من ياقوتة حمراء ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال :
ودلّت إبراهيم مزنة عليه * فهي على قدر المساحة تريه
وقيل دلّته خجوج كنست * ما حوله حتى بدا ما أسّست
قبل الملائك من البناء * قبل ارتفاعه إلى السماء
ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالإسرائيليات لا يصدق منه إلا ما قام دليل من كتاب ، أو سنة على صدقه ، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب .
مسألة
يؤخذ من هذه الآية الكريمة : أنه لا يجوز أن يترك عند بيت اللّه الحرام قذر من الأقذار ، ولا نجس من الأنجاس المعنوية ، ولا الحسية ، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا