أن قوله « عن أحد بعدك » نكرة في سياق النفي ، فهي تعم كل أحد في كل وقت كما ترى .
والصواب : الترجيح بين الحديثين ، وحديث أبي بردة لا شك أن لفظة « ولن تجزىء عن أحد بعدك » فيه أصح سندا من زيادة نحو ذلك في حديث عقبة ، فيجب تقديم حديث أبي بردة ، على حديث عقبة ، كما ذكره ابن حجر في كلامه الأخير واللّه تعالى أعلم .
فإن قيل : ذكر جماعة من علماء العربية أن لفظة : لن : لا تدل على تأبيد النفي . قال ابن هشام في المغني في الكلام على لن : ولا تفيد توكيد النفي ، خلافا للزمخشري في كشافه ، ولا تأبيده خلافا له في أنموذجه ، وكلاهما دعوى بلا دليل ، قيل : ولو كانت للتأبيد ، لم يقيد منفيها باليوم في
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
( 26 ) [ مريم : 26 ] ولكان ذكر الأبد في
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
[ البقرة : 95 ] تكرارا والأصل عدمه ا ه محل الغرض منه .
فالجواب : أن قول الزمخشري بإفادة لن : التأبيد يجب رده ، لأنه يقصد به استحالة رؤية اللّه تعالى يوم القيامة زاعما أن قوله لموسى :
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] تفيد فيه لفظة : لن تأييد النفي ، فلا يرى اللّه عنده أبدا لا في الدنيا ، ولا في الآخرة . وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص الصحيحة في القرآن والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها . وقد بينا مرارا أن رؤية اللّه تعالى بالأبصار : جائزة عقلا في الدنيا والآخرة . ولو كانت ممنوعة عقلا في الدنيا لما قال نبي اللّه موسى
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى ، وأنها ممنوعة شرعا في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة ، وإفادة لن التأبيد التي زعمها الزمخشري في الآية تردها النصوص الصحيحة الصريحة في الرؤية في الآخرة ، ولا ينافي ذلك أن تفيد لن : التأبيد في موضع لم يعارضها فيه نص .
وبالجملة فقد اختلف أهل العربية في إفادة لن تأبيد النفي حيث لم يصرف عنه صارف ، وعدم إفادتها لذلك ، فعلى القول : بأنها تفيد التأبيد فقوله صلى اللّه عليه وسلم لأبي بردة : « ولن تجزىء عن أحد بعدك » يدل على تأبيد نفي الإجزاء ، كما ذكرنا وعلى عدم اقتضائها التأبيد ، فلا تقل عن الظهور فيه ، حتى يصرف عنه صارف ، وبذلك كله تعلم : أن الجمع بين حديث أبي بردة ، وحديث عقبة بن عامر ، كالمتعذر فيجب الترجيح ، وحديث أبي بردة : أرجح .
والعلم عند اللّه تعالى .
وهذا الذي ذكرنا في هذا الفرع هو حاصل كلام أهل العلم في السن التي تجزىء في الضحايا .
الفرع الرابع : اعلم : أنه لا يجوز في الأضحية إلا بهيمة الأنعام ،
وهي الإبل والبقر والضأن والمعز بأنواعها ، لقوله تعالى :
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[ الحج : 28 ] فلا تشرع التضحية بالظباء ولا ببقرة الوحش وحمار