فيه كقول الشاعر :
وبوّئت في صميم معشرها * وتمّ في قومها مبوّؤها
أي نزلت من الكرم في صميم النسب ، وتبوأت له منزلا كقوله تعالى
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً
[ يونس : 87 ] وتبوأه كقوله
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
[ الزمر : 74 ] الآية . وقوله تعالى
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ
[ يوسف : 56 ] وقوله تعالى
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
[ الحشر : 9 ] الآية .
وأصل التبوء . من المباءة : وهي منزل القوم في كل موضع ، فقوله
بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
أي هيأناه له ، وعرفناه إياه ، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة ، حين أمرنا ببنائه ، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه .
والمفسرون يقولون : بوأه له ، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس ، حتى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسا ، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه .
وقيل : أرسل له مزنة فاستقرت فوقه ، فكان ظلها على قدر مساحة البيت ، فحفرا عن الأساس ، فظهر لهما فبنياه عليه . وهم يقولون أيضا : إنه كان مندرسا من زمن طوفان نوح ، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم ، واللّه تعالى أعلم .
وغاية ما دل عليه القرآن : أن اللّه بوأ مكانه لإبراهيم ، فهيأه له ، وعرفه إياه ليبنيه في محله ، وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله . وظاهر قوله : حين ترك إسماعيل ، وهاجر في مكة
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
[ إبراهيم : 37 ] يدل على أنه كان مبنيا ، واندرس ، كما يدل عليه قوله هنا
مَكانَ الْبَيْتِ
لأنه يدل على أن له مكانا سابقا ، كان معروفا . واللّه أعلم .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
الآية متعلق بمحذوف ، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة وهي قوله تعالى
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ
[ البقرة : 125 ] الآية فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
وعهدنا إليه : أي أوصيناه ، أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين ، وزادت آية البقرة : أن إسماعيل مأمور بذلك أيضا مع أبيه إبراهيم ، وإذا عرفت أن المعنى : وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئا ، وطهر بيتي . الآية .
فاعلم أن في « أن » وجهين :
أحدهما : أنها هي المفسرة ، وعليه فتطهير البيت من الشرك ، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم : أي والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور .