يظهر كل الظهور ، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه وهو لم يجب عليه إلا واحد . وحجة من قال بذلك : أنه لما عينه متقربا به إلى اللّه لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك ، ولو لم يجزئه .
وأما الواجب المعين بالنذر ، كأن يقول : نذرت للّه إهداء هذا الهدي المعين ، فالظاهر أنه يتعين بالنذر ، ولا يكون في ذمته ، فإن عطب أو سرق : لم يلزمه بدله ، لأن حق الفقراء إذا تعلق بعينه ، لا بذمة المهدي . والظاهر أنه ليس له الأكل منه سواء عطب في الطريق أو بلغ محله .
وحاصل ما ذكرنا : راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقا بذمته سليما فالظاهر : أن له الأكل منه ، والتصرف فيه ، لأنه يلزمه بدله سليما ، وقيل : يلزم الذي عطب والسليم معا لفقراء الحرم ، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدى كالنذر المعين للمساكين ، ليس له تصرف فيه ، ولا الأكل منه إذا عطب ولا بعد نحره ، إن بلغ محله على الأظهر .
واعلم : أن مالكا وأصحابه يقولون : إن كل هدي ، جاز الأكل منه للمهدي له ، أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء ، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه ، فلا يجوز إطعامه إلا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم ، وكره عندهم إطعام الذميين منه . وستأتي تفاصيل ما يجوز الأكل منه ، وما لا يجوز إن شاء اللّه تعالى في الكلام على آية
فَكُلُوا مِنْها
[ البقرة : 58 ] الآية .
وأما هدي التطوع : فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه ، وخلى بينه وبين الناس ، وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته ، كما تقدم إيضاحه ، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وليس عليه بدله لأنه معين لم يتعلق بذمته . وأما مذهب الشافعي ، وأصحابه : فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه ، فله ذبحه ، وأكله ، وبيعه وسائر التصرفات فيه . ولو قلده لأنه لم يوجد منه إلا نية ذبحه والنية لا تزيل ملكه عنه ، حتى يذبحه بمحله ، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام ، لأنه لم يزل في ملكه ولا شيء عليه في شيء من ذلك . وأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله : فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه ولا لغني من الأغنياء ، وإنما يأكله الفقراء . ووجه قول من قال إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق ، لا يجوز لمهديه أن يأكل منه : هو أن الإذن له في الأكل ، جاء النص به بعد بلوغه محله ، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإذن بأكله ، ووجه خصوص الفقراء به ، لأنه حينئذ يصير صدقة ، لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله . هكذا قالوا : والعلم عند اللّه تعالى .