للحنفية والشافعية ، لأن اللّه تعالى يقول
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ
[ الفتح : 27 ] ولم يقل : بعض رؤوسكم
وَمُقَصِّرِينَ
[ الفتح : 27 ] أي : رؤوسكم لدلالة ما ذكر قبله عليه ، وظاهره حلق الجميع أو تقصيره ، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلا لدليل يجب الرجوع إليه ، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 1 » . فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، ومن اقتصر على ثلاث شعرات أو على ربع الرأس ، لم يدع ما يريبه ، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه ، من كتاب ، ولا سنة على الاكتفاء بواحد منهما ، ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما حلق في حجة الوداع ، حلق جميع رأسه وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس .
وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق كقوله :
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ
الآية . وقوله :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[ البقرة : 196 ] .
وقد قدمنا أن فعله صلى اللّه عليه وسلم : إذا كان بيانا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم : أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب . ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول .
تنبيه آخر
اعلم : أن محل كون الحلق أفضل من التقصير ، إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة .
أما النساء : فليس عليهن حلق وإنما عليهن التقصير .
والصواب عندنا : وجوب تقصير المرأة جميع رأسها ويكفيها قدر الأنملة ، لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص ، ولأن شعر المرأة من جمالها ، وحلقه مثلة وتقصيره جدا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها ، وقد جاء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أن النساء لا حلق عليهن ، وإنما عليهن التقصير .
قال أبو داود في سننه : حدثنا محمد بن الحسن العتكي ، ثنا محمد بن بكر ، ثنا ابن جريج ، قال : بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان ، قالت : أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان : أن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس على النساء حلق ، إنما على النساء التقصير » .
حدثنا أبو يعقوب البغدادي ثقة ، ثنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة ، قالت : أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير » « 2 » انتهى منه .
هامش
( 1 ) . سبق تخريجه .
( 2 ) . أخرجه أبو داود في المناسك حديث 1984 و 1985 .