تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
والحاصل : أن الحاج مفردا كان أو قارنا أو متمتعا إن رمى جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي : فعليه الحلق أو التقصير ، وقد قدمنا أن التحقيق : أن الحلق نسك وأنه أفضل من التقصير ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم « رحم اللّه المحلقين قالوا : يا رسول اللّه : والمقصرين . قال : رحم اللّه المحلقين ، قالوا : والمقصرين ؟ فقال : والمقصرين » « 1 » في الرابعة ، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه . فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مرارا : على أن الحلق نسك لأنه لو لم يكن قربة للّه تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم له بالرحمة ، ودل تأخير الدعاء للمقصرين ، إلى الثالثة أو الرابعة : أن التقصير مفضول ، وأن الحلق أفضل منه ، والتقصير مع كونه مفضولا : يجزئ بدلالة الكتاب ، والسنة والإجماع ، لأن اللّه تعالى يقول
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
[ الفتح : 27 ] وقد روى الشيخان ، وغيرهما : التقصير عن جماعة من الصحابة رضي اللّه عنهم . فمن ذلك حديث جابر : أنه حج مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد أهلوا بالحج مفردا ، فقال لهم : « أحلوا من إحرامكم بطواف البيت ، وبين الصفا والمروة ، وقصروا « 2 » . وفي الصحيحين ، عن ابن عمر قال : « حلق النبي صلى اللّه عليه وسلم وحلق طائفة من أصحابه وقصر بعضهم » « 3 » ، وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين ، قال : قصرت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمشقص على المروة وحديث : « رحم اللّه المحلقين » ، ثم قال بعد ذلك : « والمقصرين » « 4 » إلى غير ذلك من الأحاديث . وقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزىء ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير ، فقال الشافعي ، وأصحابه : يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعدا ، أو تقصيرها ، لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير ، لأن الثلاث جمع . وقال أبو حنيفة : يكفي حلق ربع الرأس ، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة . وقال مالك ، وأحمد وأصحابهما : يجب حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة ، بل يكفيه أن يأخذ من جميع جوانب الرأس ، وبعضهم يقول : يكفيه قدر الأنملة ، والمالكية يقولون : يقصره إلى القرب من أصول الشعر . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر الأقوال عندي : أنه يلزم حلق جميع الرأس ، أو تقصير جميعه ، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير ، لأن فيه مشقة كبيرة ، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة ، وأنه لا يكفي الربع ، ولا ثلاث شعرات خلافا
هامش
( 1 ) . أخرجه عن ابن عمر : البخاري في الحج حديث 1727 ، ومسلم في الحج حديث 317 و 318 . ( 2 ) . أخرجه مسلم في الحج حديث 143 . ( 3 ) . أخرجه البخاري في الحج حديث 1729 ، ومسلم في الحج حديث 316 . ( 4 ) . أخرجه البخاري في الحج حديث 1730 ، ومسلم في الحج حديث 209 و 210 .